المعذبون في الأرض

ذ عبد الرحمان مجدوبي

 عبد الرحمان المجدوبيالمعذبون في الأرض هم حقا من تم تشخيص حالة ضمائرهم إذ قيل فيها: “الضمير-الحي- جرح لا يقتل ولا يلتئم”.

حقا لا يقتل حين يبقي أحاسيسك –أنت يا من ينبض ضميره حياة- حية تنبض بالحياة، حين يبقي عينيك مفتوحتان ثابتتان لا تنقضان دقائق النظام الكوني الذي أسس لقواعد الخطأ والصواب.

لا يقتل لأنه يجعلك تعيش على الأمل مسلحا بالتفاؤل، يمدك بعبير المجتمعات المثالية الطوباوية الخالية من الأحقاد التي أبقت مساحة واسعة للمبادئ والقيم والحب والخير والإنسانية، لأنه يحقق حريتك ولو كنت وراء القضبان .. فالحلم قناته والصبر دواؤه.

لا يقتل لأنه يضمن بقاء اسمك في خانة الأوفياء والأثرياء تذكر في كل حين، تتغمدك نسمات الرحمة وتتلحف جسدك النحيف عبرات المغفرة، فما كنت تأمل سوى ذلك، لم تكن محبا لبطن منتفخ وأوداج ممتلئة وذقن سمين ولا عينان جاحظتان من هول النعمة الزائفة المسروقة، على جيبك وخزنتك، لم تكن طامعا في حسناء تمتص مقتك الساخن وكبتك الدفين في ليلة باردة كما يمتص الليمون داء الحمى من الرأس المعكوف في عرفنا، وكما يمتص الإسفنج الماء العكر من فوق الموائد الرثة العفنة النتنة.

لا يقتل لأنه في قتلنا راحة الانتهازيين، إذ سيبقي لهم الميدان خال يمارسون عنفهم وعدوانهم كأنهم وحدهم في الميدان، يقتاتون كما يقتات الجراد وينهشون نهش الضباع، أقنعتهم مزركشة ملونة بألوان المكر والخداع والرذيلة، بسماتهم صفراء فاقع لونها تسر الناظرين، قواميسهم تفتقر لمفاهيم مثل الحلال والحرام والكرامة والحب والوفاء والتضحية، سلاحهم الفضيلة أمام أعين الناس، والرذيلة في خلوتهم، وحين يرسمون أحلامهم يرسمونها عروسا عذراء شقراء مصيدة لذوي القلوب الضعيفة، لا يخافون لومة لائم، فالاشتراكية في صفهم والرأسمالية في دربهم وتأويلات الدين المتعسفة التي تشكو ألمَ لي أعناقها جبهة وجدار لاستمالة الحالمين، مزجوا هذا وذاك في سابقة لم يشهد التاريخ لها مثيلا فألفوا خلطة يعجز العقل المغربي عن فهمها وتحليل مكنوناتها.

الضمير جرح لا يلتئم لأن صاحب الضمير عندما يحيا في بيئة فاسدة لا بد له من أن يتجرع الآلام، فنهجه مخالف للمعتاد، إذ عادته ألا يختلس مالا، ولا يأخذ رشوة، يحترم الصغير والكبير ويتعب ليريح الآخرين، يصدق ولو كلفه ذلك ثمنا غاليا، يحضر في الوقت المحدد ولا يغادر إلا بعد اكتمال نوبته، يؤدي واجباته بإتقان فلا زبونية ولا محسوبية.

لا يلتئم لأنه يبقي صاحبه في خصام دائم مع أناه ومحيطه ومقربيه، ينهج قانون الفضيلة للوقوف في وجه الرذيلة خارج اللعبة والميثاق الذي وضع في حلكة الليل وسواده.

لا يلتئم لأن صاحب الضمير الحي لا تكون له قيمة إلا في ضوء الأزمات والنكبات، حيث يصيح الكل باسمه، ولا يلعب فوق الخشبة فمسرحية هي الحياة ورواية حقيقية لا تستند في صلبها على الفطرة الإنسانية التي وقفت مغلوبة مهزومة أمام جشع العرف البهيمي.

لا يلتئم لأن صاحبه يعيش مهووسا قلقا من الوضع البيئي والسياسي والثقافي والاقتصادي، يعيش قلقا من الأعراف والتقاليد التي ترجع إلى العصر الحجري، لأنه يغار ويغار على وطن وجسد وتاريخ وجغرافيا ورسالة وإنسان وهوية وثقافة وأرض وحلم ومشروع وحديقة وزقاق وشجرة وينبوع ماء وغاز وبترول ومنجم فوسفاط و ذهب و حديد و نحاس وبحر جَاد بما لم تجد به جيوب الكرماء وألسنة الشعراء وأدعية الفقهاء في وليمة تدفع لهم الأجر مرتين وهم جلوس على أريكة، لأنه يغار على امرأة لبست ثوبا شرقيا ولسانها لا يتقن سوى لهجة المغاربة لتواجه في معركة ظالمة وحشا سلاحه الدرهم والريال والدينار، ومعتقله سرير مفروش بالحرير في مزغان تفقد فوقه الأنوثة وتموت الأحاسيس وينحدر الجنس البشري فوقه إلى أدنى مراتبه، لأنه يغار أيضا على قرية كان حلم ساكنتها مستشفى ومدرسة وطريق معبدة و معمل ينتشل العباد من البطالة ودار شباب تتفتح فيها العقول والأفئدة ومسبح يطفئ حر الصيف وقسوته فإذا به استفاق على ركام من الإسمنت والطين وأزقة تعجز حتى البهائم على المشي فيها، استفاق على سيول من المياه العدمة تغزو الأزقة وتحولها إلى برك ومسابح، وعلى أرض جرداء قاحلة تعد نفسها للحمل بدويرات مزدحمة عشوائية بأثمنة بخسة تحتضن ألم الفارين من زحام المدينة بمشاكلهم ومصائبهم وعاداتهم بعدما كانت جنة قوامها الشجر والزهر وخرير الماء وألفة بين أناسها وأحبابها.

(Visited 1 times, 1 visits today)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*