صناعة الوعي الجمعي

WAY

ذ. عبد الرحمان مجدوبي

في ظل تدني سهم ومؤشر نماء رأس المال البشري، تظهرفي الأفق تلك الأسئلة التي عجز العقل البسيط عن فك لغزها، فانبهر بما تجود به النشرات المسائية الإذاعية والتلفزية (المواطنة) من إعلان بعقد الموائد المستديرة، والمناظرات الحامية المثيرة، والبرامج والسياسات البديلة، التي تستبدل الأمر بصداع مصارين تحتوي فرث الغزاة الجدد، المسلحين بالنظريات الاقتصادية الاجتماعية التي تخوي الجيوب، وتضاعف العيوب والندوب.

انبهر هذا العقل بوعد معلق، وميثاق ممزق عقد في حلكة الظلام، إذ فتح الرعاع بطونهم للريح، وألسنتهم للتسبيح باسم مولاهم الذي صنع منهم أداة وماكينة بالمعنى الألماني للكلمة، تعمل بدون ضمير، أو بنصفه على الأكثر، وبدون عقل واع، لما سمح الرعاع ويسروا صناعة وعي جمعي عبر تفريخ مفاهيم موسمية خارج السياق، يحكمها قانون التملق والنفاق، وتأليف شعارات تفرق الجماعة، لتصنع جماعة أخرى بمعايير مدروسة ومكائد مدسوسة وتعاليم مهموسة بثمن زهيد.

سمح الرعاع ببعث العشائرية والنفخ على جمر الطائفية، وتأليف حوادث هنا، ومصائب هناك، لتشدّ الأبصار، وتُغيّب الأغيار، وتفرق الأمصار، فمنطق السيادة يقول: فرق تسد، واصنع الضحك للضاحكين، والبهرجة للحمقى والمعتوهين، والصبابة للغيورين المنهكين، بحرب الأحلام وفصاحة الأرقام، والفرحة اللحظية للمنبوذين، الذين ليس لهم ولاء ولا كساء، فاغتنوا بضحكة صفراء، ونغمة فاتنة في ليلة حمراء، بأعين عمياء، وآذان صماء، ينفسون روع الهزيمة النفسية النكراء، التي روضتهم خداما على أبواب جهنم بمسوح رثة بالية.

سمح الرعاع تيسير صناعة وعي جمعي عن طريق تشجيع المواسم العابرة للحدود، المتأنقة شعاراتها بنغم الكمان والعود، التي تدرف السكينة والطمأنينة على القلوب الحامية والأفكار السامية التي صار لها خصمان، خصم مغبون صريح، وخصم خفي طموح. فبعد أن يسيطرالغباء على المجتمع، ويصبح غيرالمألوف مألوفًا لدى العامة، يكون من السهل للساسة التسلق والترقي للوصول، و قد تجردوا من الضمائرالحيّة، وتزاوجوا مع الحيوانية بكامل عنفوانهم؛ فالإنسان كما يقال يمكن أن يعيش بكلية واحده، أوبقلب اصطناعي، لكنه لايمكن أن يعيش بنصف ضمير بميزان العيشة الكريمة، وتاريخ الهامش الذي يكتبه أصحاب الضمائر الحية، ولو كان عزاؤه محفلا، وقبره منجما، ودموع أحبته جواهر، تباع في المزاد، وتشترى كنوزا من هيئات العشيرة القديمة، ليبقى الاسم خالدا يتداول الأحفاد حكمه الرثة، ليحصلوا مُقاما سعيدا ويعيدوا كتابة التاريخ بألوان الفاقة والحاجة، وأطياف البؤس والنجاسة.

(Visited 1 times, 1 visits today)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*