منبر حر

من باريس إلى باماكو … ويستمر نزيف الدم

MAHMOUD AYACH

 

* محمود عياش

لازالت تداعيات سقوط الطائرة الروسية في الأجواء المصرية مستمرة، فدخول روسيا إلى المستنقع السوري سيجر عليها الويلات والمصائب تباعا، فهي لم تستوعب الدرس الأفغاني، وما حدث لأمريكا في العراق ربما يغنيها عن المغامرة في بلاد الشام، وإن كانت تظن أن الغارات الجوية أقل كلفة من حيث الخسائر البشرية، مقارنة بالحرب البرية، إلا أنها ستكون في قائمة الأعداء اللدودين للحركات الإسلامية المسلحة، وبالتالي ستنتظر الأسوء في القادم من الأيام، فروسيا مجال سهل الاختراق مقارنة مع دول غرب أوربا، فالعصابات والجريمة المنظمة تجوب التراب الروسى، وعليه فإن الحركات الإسلامية ستستغل هذا التراخي الأمني والفساد المستشري في صفوف أجهزة الدولة، لتعبر إلى العمق الروسي، وقد تشكل جمهوريات القوقاز حاضنة مناسبة ومنصة انطلاق لضرب روسيا في الصميم.

في ظل هذه الأجواء المحتقنة دوليا، تلقت فرنسا ضربة موجعة في قلبها السياسي، وفي وقت حساس وبحصيلة مرتفعة من الضحايا، وهذا أمر يحمل أكثر من دلالة، ولعل رمزية عاصمة الأنوار، التي أصيبت بالعتمة، و انطفاءت أنوارها، على حين غرة، يبين قدرة الاختراق التي أصبحت تتوفر عليها هذه الحركات، لا من حيث سلاسة الحركة في دول المعمور، و التوفر على الدعم المادي والاستخباراتي، وإمكانية التجنيد لأشخاص من رعايا الدول المستهدفة، للقيام بالعمليات الحربية، وبالتالي يتم الانتقال إلى مرحلة الحرب بالوكالة، وبأقل الخسائر، وبأكثر مردودية إعلاميا و سياسيا.

استفاضت وسائل الإعلام في الحديث عن الأسباب الكامنة وراء هذه التفجيرات التي شهدتها فرنسا، وعن الخلفيات الثقافية والاجتماعية لمنفذيها وأصولهم الإثنية، وأيضا عن التداعيات المستقبلية لهذه الأحداث و أيضا عن المقاربات المحتملة لمعالجة الوضع المسؤول عن مثل هذه الأحداث.

وتبقى الجالية المغاربية في فوهة بركان هذه التفجيرات، كما أن الجالية الغربية سينالها نصيبها من تداعيات أي مقاربة علاجية تنتهجها دولها لمجابهته مد الحركات المسلحة.

1- الجالية المغاربية .. تنتظرها أيام عصيبة

ستكون الجالية المغاربية في أوربا فوق صفيح ساخن، فالأحداث الأخيرة التي شهدتها باريس والتي اتهم بالتورط فيها أروبيين ذوي أصول مغاربية، حسب المصادر الفرنسية، وهذه فرصة تاريخية لليمين المتطرف في أوربا، ليصب جام غضبه على المهاجرين، خاصة ذوي الأصول الإسلامية، ويطالب بتطهير أوربا من هذه الحثالة الدخيلة على المجتمع الغربي، والتي لازالت تحن إلى جذورها الدينية والثقافية وتتغذى منها حقدا وكرها على الغرب -حسب رأي هذا اليمين- وهذه مناسبة سيعبر من خلالها إلى توسيع قاعدة مناصريه مستغلا الآلة الدعائية لشحن مشاعر الكراهية وتأليب الرأي العام ضد كل وافد من وراء المتوسط، وسيتم استثمار كل ما من شأنه أن يقوى الأحزاب المتطرفة، ويقوض أي وجود مدني وسياسي يحاول رأب الصدع الذي ستخلفه هذه الأحداث بين الأوربيين وغيرهم من المقيمين، وهي فرصة لتتغول الأجهزة الأمنية في صفوف الجالية المسلمة وتكتم أنفاسها، وتتحكم بقبضة من حديد في الخطاب الديني وتجنيد قدر لا يستهان به من المخبرين والذين يتعقبون كل التحركات التي تثير ريبتهم، المقاربة الأمنية للتعامل مع الأجانب ستشتغل بقوة هذه المرة، وربما سنشهد مستقبلا عمليات ترحيل للأجانب بوتيرة متصاعدة، ستمس حتي الذين لديهم وثائق تتيح لهم حق الإقامة، أوربا ستطلق ذراعها الأمني حتى خارج الفضاء الأوربي لمتابعة المارقين وكل من يناصبها العداء، فهي حرب بلا هوادة قد تستغل مطية لتصفية حسابات سابقة ظلت معلقة لسنوات وهذه فرصة مواتية لذلك، إنها فترة أداء فاتورة العداء للغرب قد حان وقت سدادها.

2- الدول المغاربية، هل تحمي مواطنيها بأوربا ..؟

لقنت الدول الغربية العالم دروسا متميزة في حماية مواطنيها ماوراء البحار، فهي ترسل فرق النخبة في مجال التدخل لإنقاذ الرهائن والمختطفين، كما تحرك أساطيلها الحربية لحماية مواطنيها ومصالحها ومصالحهم.

اليوم الجالية المغاربية في موقع اتهام بأنها هي من تفرخ الإرهاب وتموله، فبعدما سارعت الدول المذكورة إلى إدانة اعتداءات باريس، وقدمت مواساتها و وفرت خدمات استخباراتية لتعقب المسؤولين عن التفجيرات الباريزية، والسؤال المطروح هل دور هذه الدول توقف هنا أم أن هناك ما يستحق مواصلة العمل والمتابعة ..؟

يعلم الجميع السيولة المالية المهمة التي تضخها الجالية المغاربية في خزائن دولها الأصلية، ويعلم الجميع الكفاءات العلمية والعملية التي تقدمها هذه الجالية لبلدها الأم ، سواء بطلب من هذا الأخير أو بدون طلب، كما يعلم الجميع الدور المتعاظم لهذه الجالية في تدعيم مواقف دولها داخل البرلمانات والحكومات الأوروبية التي يتواجدون كأعضاء بها.

أمام كل هذا ألا تستحق هذه الجالية وقفة مساندة حازمة وصلبة من طرف دولها الأصلية بحكم عامل الانتماء الثقافي والديني، بغض النظر عن أي شي آخر ..؟
لوضيعت الدول المغاربية فرصة الالتفاف القوي والمنيع حول جاليتها، فإنها ستخلق هوة سحيقة من التباعد يصعب جسرها في الأفق المنظور.

3 – باماكو  .. تعقب الأوربيين خارج الأسوار الآمنة

ينظر الكثيرون إلى افريقيا بأنها الحديقة الخلفية لفرنسا، فطالما عاثت فيها فسادا، ساندت أنظمة وأسقطت أخرى، وتحكمت في اقتصاديات دول، وجعلتها تابعة لها اقتصاديا وثقافيا وحتى دينيا، لكن التواجد الفرنسي أصبح مهددا بفعل تنامي المد المسلح في افريقيا ذي الطبيعة الإثنية حينا، وحينا آخر ذو بعد عقائدي وإيديولوجي .. فرغم الأحداث المتلاحقة التي شهدتها مالي والتي تداخل فيها الجانب الديني والثقافي والاثني، والتي هددت الدولة بالتمزق والتفتت.

فبالإضافة إلى عنصر التمرد الأزوادي الموجود في شمال البلاد، دخلت على الخط الحركات الإسلامية المسلحة، كلاعب جديد في المجال المالي، بعد بصم هذه الأخيرة على حضور قوي في الساحل والصحراء والشمال الإفريقي، خاصة بالجزائر التي عرفت عشرية دامية نهاية القرن الماضي .. حالة الارتخاء الأمني التي توجد فيها دولة مالي نتيجة الاشتباكات المسلحة بين الإطراف المعارضة والجيش المالي، والمسنود من القوات الفرنسية والمدعوم بقوات حفظ السلام الأممية، جعل مالي في حالة ارتباك أمني، وإمكانية الاختراق المسلح، ظلت واردة في كل لحظة و حين، لكن ميزتها هذه السنة أن عملية احتجاز الرهائن بفندق” رديسون بلو” بباماكو تزامنت مع ما حدث في فرنسا، وركزت بشكل أساسي على استهداف غربين، فالدم الغربي يظل مطلبا غالي الثمن في الزمن الحالي، ويحظى بمتابعة إعلامية، وتنديد دولي وتعاطف أممي مع ضحاياه، بينما يظل الدم العربي يتدفق مدرارا من العراق والشام إلى فلسطين واليمن، ولا من يحرك ساكن لإيقافه.

من خلال العمليتين السابقتين يبقى الرعايا الأجانب صيدا ثمينا، تترصده الحركات المسلحة، لضرب الأنظمة في الصميم وخلخلة توازنها الأمني، ويكشف قدرة هذه التنظيمات على اختراق التحصينات الأمنية الغربية داخل أوربا وخارجها، وبالتالي فنحن أصبحنا أمام حرب مفتوحة في الزمان والمكان، لكن تكلفتها البشرية ستكون باهظة، وتداعياتها على الجاليات ستكون صعبة، لذا باتت الدول المغاربية مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بالوقوف إلى جانب جاليتها، خاصة في هذه الظرفية العصيبة، وعلى الدول الغربية إعادة النظر في سياساتها التدخلية إن لم نقل التوسعية في الدول التي تعرف قلاقل سياسية، من خلال تقوية وتعزيز آليات الوساطة الأممية لفض النزاعات المسلحة، و احترام سيادة الدول واستقلاليتها السياسية والاقتصادية والعقائدية.

*عضو الأمانة الجهوية ن.م.ص.م العيون

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق