
قراءة في “خطوات الهزيع الأخير” لرحال امانوز : حين تصير النهايات حكايات

بقلم – ادريس. زقي
في زمن تتسارع فيه الأحداث وتضيق فيه مساحة التأمل، يأتي القاص المغربي رحال امانوز بمجموعته القصية “خطوات الهزيع الأخير” ليوقف الزمن عند عتبة الليل، عند تلك اللحظة الفاصلة بين اليقظة والغياب. لغة مقطعة على مقاس الوجع
يمضي رحال امانوز في هذه المجموعة على درب لغة مكثفة، لا تحتمل التزيد. جمل قصيرة، مبتورة أحياناً، كأنها أنفاس شخص يصعد درجاً طويلاً في آخر الليل. هذه اللغة ليست زخرفة، بل هي الشكل الأمثل لعالم القص؛ عالم يمشي على حافة الهاوية، حيث “الهزيع الأخير” عنوان وعتبة دلالية توحي بانكشاف ما خفي، و”الخطوات” إشارة إلى المسافة الضيقة المتبقية من العمر
أبطال من هامش الحياة : لا يبحث القاص عن الأبطال الاستثنائيين. شخوصه من لحم ودم عاديين: عابر سبيل، حارس ليلي، امرأة تنتظر، رجل يعد أنفاسه. إنهم سكان الهوامش الذين لم يكتب لهم التاريخ سطراً، لكنهم يملكون من الحكمة ما يفوق صفحات الفلاسفة. عبرهم يرصد رحال امانوز هشاشة الإنسان أمام الموت الصغير اليومي، أمام الانتظار الذي يأكل القلب
تقنية المفارقة الصامتة :
أبرز ما يميز المجموعة تقنياً هو اعتماد القفلة المفتوحة. لا يقدم الكاتب حكماً جاهزاً ولا خلاصة أخلاقية. يترك الباب موارباً كي يكمله القارئ بخبرته ووجعه. الزمن في قصصه ليس خطياً، بل دائرياً يعود إلى نقطة البداية، والتكرار اللفظي “خطوة.. خطوة” يتحول إلى إيقاع جنائزي يرافق البطل حتى خطوته الأخيرة
خلاصة القول :
“خطوات الهزيع الأخير” ليست مجموعة للتسلية العابرة. هي دعوة للوقوف أمام المرآة في الثالثة فجراً ومساءلة الذات عن معنى الرحيل. نجح رحال امانوز في تحويل الخوف من النهايات إلى مادة سردية مكثفة، وجعل من الصمت نفسه شخصية رئيسية في نصوصه
يبقى التحدي الوحيد أمام القاص هو الموازنة بين كثافة الرمز ووضوح الرسالة، كي تصل هذه “الخطوات” إلى أوسع جمهور دون أن تفقد وهجها الشعري
الدار البيضاء، يونيو 2026





