رسالة مفتوحة إلى معالي وزيرة الأسرة والتضامن والمساواة والتنمية الاجتماعية

BASSIMA

توصلت المستقلة بريس، برسالة مفتوحة طويلة .. معبرة فوق الوصف، من المنتدى الوطني لحقوق الإنسان، مرفوعة إلى السيدة وزيرة الأسرة والتضامن والمساواة والتنمية الاجتماعية، لإطلاعها على معاناة الأشخاص في وضعية إعاقة .. للأمانة، هذا نصها:

سلام تام بوجود مولانا الإمام

وبعد فعلاقة بالموضوع المشار إليه أعلاه؛ ونحن نعيش نفحات ربانية، بمناسبة هذا الشهر الفضيل، لِما يحمله من معاني الإخاء والتكافل، والتهافت على فعل الخيرات، وتقفي أثر السلف الصالح، طمعا في مرضاة الله عز وجل .. شهر يَستحكِم فيه الإيمان الحقّ بالله، في قلب المسلم، حيث يقذف سبحانه وتعالى، في هذا القلب نوراً يشعّ على صاحبه هداية تدفعه لكل بر وإحساس يجعله يشعر ويحس بمن هُمْ في حاجة وكرب، وهمّاً يجعله أقرب إلى نبض مَن هم حوله مِن المهمشين والمقصيين والمنسيين .. مَن يتجرعون مرارة الحكرة، ويتألمون في صمت، من يموتون ألف مرة في اليوم، حسرة لتنكر المسؤولين .. لتنكر من حملوا الأمانة، ولم يحسنوا حملها .. لمن أقسموا أمام جلالته، أن يكونوا مخلصين .. غير أنهم لم يكونوا في مستوى ثقة أمير المؤمنين فيهم.
من عبق هذا الشهر الأبرك، شهر ليلة القدر، شهر نزول القرآن، شهر الرحمة والمغفرة والإحسان .. شهر تكثر في الأعمال الصالحات طمعاً في الأجر والثواب؛ من عمق قدسية شهر البركات هذا، يشرفنا في المنتدى الوطني لحقوق الإنسان، أن نوجه هذه الرسالة الصادقة؛ إلى معاليكم – في أجزاء – مخاطبين العاطفة، والإحساس الرهيف والأنثى، والأم بداخلكم، وأنتِ الخبيرة المتمرسة في عالم علم النفس الاجتماعي، وعلم الهندسة البشرية .. مما يجعل ـ بحكم مساركم التعليمي الغني- المثل الشعبي التالي : ” يَزْطَمْ على الزبيبة .. وِ يِحَسْ بحلاوتها”، سهل الانطباق على معاليكم؛
معالي الوزيرة المحترمة؛ كما يعلم الجميع، فالسيدة بسيمة الحقاوي، تشرف على أكثر من وزارة في وزارة واحدة: أسرة وتضامن ومساواة وتنمية اجتماعية، وأشياء أخرى .. وكل قطاع من هذه القطاعات، يجر وراءه، شريحة مهمة من شرائج المجتمع، بمشاكلها، وهمومها، وتطلعاتها، وآماله، وأحلامها، التي تنتظر – منذ عقود وعقود – تحقيق ولو مجرد البعض منها .. انتظارات جعلت من هذا الوطن أكبر قاعة انتظار ..! بالنظر لملايين المنتظرين، وبالنظر لمرار انتظارٍ .. لا ولن يُحس بها، إلا من خَبِرَ فعلا الفقر، والهشاشة، والحاجة، الممزوجة بالظلم، والإقصاء، والميز، والحرمان، والإعاقة ..
سأكون في منتهى الصراحة مع معاليكم؛
إن المدقق في مهام واختصاصات و وظائف السلطة الحكومية، المكلفة بالتضامن والمرأة والأسرة والتنمية الاجتماعية، خاصة في الشق المتعلق بإعداد وتنفيذ السياسة الحكومية في مجالات التضامن والمرأة والأسرة والتنمية الاجتماعية، وذلك – بطبيعة الحال – بتنسيق مع القطاعات المعنية .. أقول إن هذا المدقق، سيصطدم لا محالة بكلمات فضفاضة وعبارات مبهمة .. من قبيل :
* إعداد إستراتيجية حكومية للتضامن والمرأة والأسرة والتنمية الاجتماعية وتتبع تنفيذ برامجها وتقييمها؛
* المساهمة في إعداد وتحيين وتطوير النصوص التشريعية والتنظيمية المتعلقة بمجالات التضامن والمرأة والطفولة والأشخاص في وضعية إعاقة والأشخاص المسنين والأسرة والتنمية الاجتماعية، وملاءمتها مع المواثيق الدولية والاتفاقيات المصادق عليها من طرف المملكة المغربية؛
* إنجاز الدراسات المتعلقة بمجالات التضامن والمرأة والأسرة والتنمية الاجتماعية وإعداد التقارير بشأنها؛
* المساهمة في وضع و تنفيذ البرامج والتدابير لمحاربة مختلف الآفات المرتبطة باختصاصات الوزارة؛
* المساهمة في إعداد بـرامج التنميـة الاجتماعيـة بتنسيق مع القطاعات والجهات المعنية؛
* إعداد و تنفيذ البرامج الرامية لتقوية الأسرة والنهوض الاجتماعي بأوضاع الطفولة بتنسيق مع القطاعات والجهات المعنية؛
* إعداد وتتبع تنفيذ برامج النهوض بحقوق المرأة، والعمل على تقوية أوضاعها القانونية ومشاركتها في التنمية، وذلك بتنسيق مع الجهات المعنية؛
* مواكبة ومراقبة المراكز الاجتماعية المحدثة في إطار اختصاصات الوزارة ؛
* المساهمة في تفعيل و إعمال أدوات الوقاية من الآفات الاجتماعية ذات الصلة؛
* المساهمة في تحسين ظروف الإدماج الاجتماعي، والسوسيو مهني للمواطنين في وضعية صعبة، لاسيما منهم الأشخاص في وضعية إعاقة والأشخاص المسنين؛
* تقوية وتفعيل روابط التضامن والشراكة والتعاون في مجال اختصاصات الوزارة؛
والخلاصة، فإن هذا ”المدقق ” – وللأسف – سيجد نفسه أمام غابة من المرادفات، تحيل كلها على ”لغة الخشب” .. ليس إلا !..
السيدة الوزيرة المحترمة؛
رحالاتك العديدة خارج أرض الوطن، وفريقِ عملك الكبير، كِبَر الهيكل التنظيمي الضخم/الفضفاض والمتشعب للوزارة – المتعددة الحقائب – التي تشرفين عليها .. رحلاتٌ ضخمةٌ، ضخامةَ المعاناة التي تعانيها شرائح واسعة من مجتمعنا، تُقدَّر بعشرات الملايين نسمة .. كانت هي أولى بصرف الملايين، من ميزانية الدولة، المخصصة للرحلات وغيرها، بهدف النهوض بأوضاعها، وتحقيق ولو بعض أمنياتها .. والتي أضحت من ضرب الخيال العلمي .. إن لم نقل من ضرب المستحيل ! ..
معالي الوزيرة المحترمة؛
لن أخوض، في جرد النقائص العديدة التي تعانيها ”وزاراتك”، فالكمال لله وحده، سبحانه وتعالى، ولكني سأسُوق مثالين – لا غير – راجيا من معاليكم ـ ومن خلالكم ، الجيش المرافق لكم داخل ”وزاراتكم”، والذي يستنزف من مال دافعي الضرائب ما يستنزف .. أجورا ضخمة، وتعويضات سمينة، وامتيازات عجيبة/غريبة – الإنكباب عليهما بجدية ومهنية، لإيجاد الحلول الفورية والناجعة..
لا نريد خطابات رنانة .. لا نريد وعودا معسولة .. كفانا كل ذلك .. نريد فعلا لا قولا .. نريد نتائجا –وفورية- لأنه طال الانتظار، أكثر من الانتظار، إلى درجة أنصهر فيها الانتظار والمُنتظِر، فأضحيا وجهين لعملة واحدة .. منبوذة ومتضخمة ..! (نسبة إلى التضخم المالي Inflation ).
المثال الأول : الأشخاص في وضعية إعاقة:
وما أدراك ما الإعاقة ..! وما أدراك ما أثارها النفسية و الاجتماعية والاقتصادية، على الشخص المعاق وأسرته ! ..
شريحة تفوق 7 ملايين معاقة ومعاق – حسب تقديرات أولية- يعيشون في وطن، لم يستطع حتى توفير الولوجيات لهم..
وطن .. في شخص مسؤولين، تفننوا في دغدغة المشاعر، وبيع الوهم، وتسويق ”الشفوي”، وتوظيف الدين..
فعلا، هكذا هو قدرهم .. لكن، أين هي مسؤولياتنا الدينية والسياسية، أين هو القسم الذي أقسمناه أمام جلالة الملك/أمير المؤمنين ..؟
كثيرة، ومتعددة، هي الأسئلة التي تحاصر – بين قوسين – ”الشخص السوي”، قبل ” الشخص المعاق ” – وإن كنتُ شخصيا، أفضل تسميته ”بالإنسان المعاق” – .. والإعاقة أنواع وأشكال وأقسام؛
وعليه، أجدني مضطرا، للتذكير ببعضها – وأنا أستحضر أمهات تعشن تحت خط الفقر، في ظروف ـ أقل ما يمكن أن تُوصف بها أنها ـ ”لا إنسانية” .. أمهات، هجرهن أزواجهن، وتركنهن وحيدات/يتيمات رفقة كتل من الأجساد النحيلة، لا تكاد تترك فيها سوى بؤبؤة العين.. !
أقسم بالله العظيم، معالي الوزيرة، وأنا أكتب هذه الكلمات، عيناي الآن تذرف دمعا، شفقة على هؤلاء المتخلى عنهم من قبل الدولة، في شخص ” وزاراتكم”..
بالله عليك، معالي الوزيرة، ادخلي الشبكة العنكبوتية، وانقري على ” اليوتوب”، وأنتِ تكتبين العبارة التالية ” أسر تعاني أبناؤها الإعاقة ”.. وأتحداك ألا تتحرك مشاعر الرحمة، وقيم ”الإنسانية” بداخلك، حينها سيصحو الإنسان في أعماق أعماقك .. وهو الإنسان الذي قد يكون أحجبه المنصب الذي تتقلدينه، وأنت تنعمين في الفنادق الراقية التي تقضين فيها، فترات المهام الوزارية خارج الوطن، لحضور لقاءات ومؤتمرات، وأيام دراسية، قد تكون الغاية منها التنقيب عن الهبات والمساعدات.. وأعتقد جازما أنه، لو أتيحتِ الفرصة لمعاق من ” أسر تعاني أبناؤها الإعاقة ” – المنشورة على اليوتوب – أن يحضر مكانك، هذه اللقاءات لاستطاع بمفرده جلب أضعاف أضعاف ما توفرينه للمغرب .. ومن غير حديث ولا خطب .. ولا توسل !..
السيدة الوزيرة المحترمة؛
إليك بعضا من أنواع الإعاقات، التي تعاني منها شريحة عريضة، من مجتمعنا الحالم بغد أفضل .. مع العلم أن هناك أشخاصا يجمعون أكثر من إعاقة:
وقبل ذلك ـــ وتمشيا مع ”روح” الرسائل المفتوحة والمغزى منها، وفي إطار الحق في المعلومة، وتمشيا مع الحق في تطوير مدارك مجتمع، عرف كيف يوظف ”المقاطعة” كسلوك حضاري متميز، كي يقول كفى من استبلاد الشعب واستحماره .. ــــ استأذن معاليك، للتطفل على موضوع، أنت أقرب منه إلي تكويناً ودراسة وممارسة، وأن أقوم باستعراض ما توصلتُ إليه من بحث وتنقيب في تعاريف الإعاقة:
تُعرّف الإعاقة، على أنّها خلل في إحدى وظائف الجسم، أو فقدان كلّي لهذه الوظيفة، نتيجة حادث معيّن، أو خلل أثناء الولادة، أو إصابة بمرض معين؛ هذا وإن الإعاقة في غالب الأحيان، تتعدى انعدام القيام بأنشطة معينة، إلى ما هو أعمق، لتؤثّر على حياة المعاق بأكملها: شخصية، واجتماعية، و مهنية، وجنسية، وعاطفية..
والإعاقات أنواع، حسب المعايير المعتمدة، والجهات الواقفة المتبنية لها؛ غير أن هذه التعاريف تلتقي جلها حول التصنيفات التالية:
* الإعاقة الحركية: تنتج هذه الإعاقة، عن عدم القدرة على التحرّك بشكل جزئي أو كلي .. وبالتالي، عدم القدرة على القيام بالعديد من الأنشطة، والمهارات الحركية، كالمشي أو حمل بعض الأشياء، وهذا ما يطلق عليه بالشلل النصفي، أو الكلي، أو الرباعي، بحسب الأجزاء المتوقّفة عن الحركة، والسبب في ذلك، يرجع بالأساس، إلى خلل في ”الرسائل الكهربائية” التي تُرسل إلى المخ، إضافةً إلى بعض إصابات الدماغ؛ مما يجعل المريض مضطرا في هذه الحالة، إلى استخدام أدوات معيّنة تساعده على الحركة كالعصا، أو العكاز، أو الكرسي المتحرّك، أو إضافة بعض الأطراف الاصطناعية.
* الإعاقة الحسية: وتشمل على ثلاثة أنواع من الإعاقة، وأبرزها السمعية والبصرية إضافةً للنطقية:
الإعاقة السمعية: يفقد فيها المصاب قدرته على السمع، سواء بشكل جزئي أو كلي، ويستخدم المريض هنا أدوات تساعد على السمع .. أو بالاعتماد على لغة الإشارة.
الإعاقة البصرية: إذ لا يتمكن فيها المريض من الرؤية بشكل جزئي أو كلي، نتيجة أسباب مختلفة كوجود خلل في شبكية العين أو المياه الزرقاء، أو بعض المشاكل التي تصيب عضلات العين، ويتم التعلم هنا بأساليب تعتمد على استخدام شرائط مسجلة أو ”نظام برايل Braille”.
الإعاقة النطقية: يفقد فيها المصاب جزئياً أو كلياً النطق، فيتم التواصل معه باستخدام لغة الإشارة.
* الإعاقة العقلية وهذا النوع من الإعاقات، هو نتيجةً لانخفاض مستوى الذكاء عند الإنسان، أو نتيجةً للإصابة بأمراض أو اضطرابات نفسية معينة، وبالتالي فإن المريض يصاب هنا، باضطرابات اجتماعية أو سلوكية؛
كما أنّ هناك إعاقات عقلية مرتبطة بعوامل وراثية أو بيئية، قد تكون بسيطة أو متوسطة أو شديدة؛ وهنا يتّم الحكم على الشخص، وبالتالي تحديد مستوى إعاقته العقلية، من خلال الأخذ بعين الاعتبار ثلاثة أمور وهي:
أولا: معدّل وظائف المخ للمصاب، بحيث تكون قيمتها أقل من 70 في المائة؛
ثانيا: عدم القدرة على القيام بوظيفتين أو أكثر في وقت واحد؛
ثالثا: التصرّفات الطفولية جداً، التي يقوم بها الطفل.
وهذه الإعاقة الذهنية، يُطلِق عليها البعض، اسم ”الإعاقة التعليمية” أو ”الضعف العقلي”، والتي هي مردها إلى اضطراب في وظائف الدماغ العليا، بحيث تتمثل في عدم القدرة على التركيز، أو العدّ، أو استرجاع المعلومات، وبالتالي فإنها تؤثر على تصرف وسلوك المصاب، مما يجعله يَشعر بعجزه، وعدم قدرته، على الإنجاز، أو التحصيل الأكاديمي ؛
وهناك فريق آخر من المختصين يقسم الإعاقة الذهنية إلى :
ـــ الشلل الدماغي المفضي لشلل الأطراف كلها؛
ـــ التلث الصبغي؛
ـــ التوحد، وهو درجات وأنواع؛
ـــ الإنطوائية؛
وهناك نوع جديد من الإعاقة التي ظهرت مؤخرا، وتتعلق برفض الطفل للتمدرس؛ والخلاصة، حسب الباحثين والمختصين في مجال الإعاقة، معالي الوزيرة المحترمة، فهناك حوالي 37 نوع من الإعاقة، وأنه مع تقدم البحوث والدراسات، تظهر بين الفينة والأخرى أنواع جديدة من الإعاقة؛
إنهم جيوش من المعاقين .. من المهمشين .. من المعانين في صمت .. إنهم ببسيط العبارة ” إنسان ”، كتلة من المشاعر والأحاسيس .. وأن أغلبهم يشكل بمفرده منجما من الطاقات الخلاقة والمبدعة..
فَلْنَلْتَفِتَ إليهم ليس بعين الشفقة – إذ أن ”مسؤولونا” هم مَنْ يُنْظَرُ إليهم بشفقة، ونحن نخاف يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ – وإنما بعين معترفة بحقهم، في العيش الكريم، وفق شعار نحمله – بكل فخر – داخل المنتدى الوطني لحقوق الإنسان ..: ”معا، من أجل مواطن كريم، في وطن عادل ”؛
معالي الوزيرة المحترمة،
هل فكرت يوما في المعاناة التي يعيشها، المعاقون المحظوظون ـــ مقارنة مع من لا تسمح لهم إعاقتهم، بمغادرة إقاماتهم الجبرية ـــ .. معاناة أصحاب الكراسي المتحركة، في غياب ولوجيات .. وانتشار الحفر على أرصفتنا وفي شوارعنا .. في خطورة بالوعات بدون أغطية، والتي تهدد أمن وسلامة، بل وحياة الجميع، معاقا وغير معاق .. هل فكرت في الصعوبات، بل وفي الحواجز التي تضعها حافلات النقل الحضري في وجوههم..
اسألي عمادة فاس، التي يتربع على عرشها زميل لكم من حزبكم .. فعندها الخبر اليقين؛
هذا فيض من غيض، سيادة الوزيرة المحترمة؛ فقضية ”الإنسان المعاق” ـــ هكذا أفضل أن أسميه، بدلا من الشخص المعاق، عَلَّ كلمة ”إنسان ”، توقظ الإنسان النائم بداخلنا جميعا، فنبادر بإنصاف ملايين تحمل هذا اللقب/القدر، مُكرهة ..
حوالي سبعة ملايين سيدتي الوزيرة؛ ويمكنكم الرجوع للتأكد من ذلك للإحصاء الذي تقومون به .. مُجنِّدين له جيشا عرمرما من المعاقين .. وبصفر درهم من جانبكم، وإن كان كل معاق يثقل جيبه وجيب أسرته بآلاف الدراهم، مُطارداً حلما /كِذبة .. وكأنه يطارد خيط دخان، على حد تعبير الشاعر الرومانسي الكبير، المرحوم نزار قباني..
أوضح، ولو أن توضيح الواضحات من المفضحات ــــ كما يعتمد جل فقهاء السنة، ومن ضمنهم د. مولاي عمر بن حماد..
منذ بروز هذه الوزارة، في عهد حكومة التناوب سنة 1999، ودغدغة مشاعر ”الإنسان المعاق” لا تتوقف .. كل سنة تَعِدون هذه الفئة ”ببطاقة وطنية للشخص في وضعية إعاقة ”، لكي يضطر هؤلاء الحالمون ”بالحق في الحق” ، إلى إعداد ملف طبي سنويا، ووضعه لدى ”وزاراتكم”..
وعندما نقول ملفا طبيا، علينا أن نعي المجهودات المالية والجسدية والعضلية، التي يقوم بها ”الإنسان المعاق”، لتسجيل إعاقته – بين قوسين – على غرار تسجيل الملكية الفكرية .. وليتها كانت بنفس السهولة كذلك .. ملف طبي يقتضي ـ فيما يقتضيه – فحوصات لسبعة أطباء، متفرقو مقرات العمل .. وكأن الأمر مرتبط بأعراف مرتبطة بالشعوذة: ”سبع مَوْجات”.. و”سبع قدِّيدات”.. و”سبعة رجال” !..
لينقشع الغمام، وتنكشف ”خُبِّريَة بطاقة وطنية، للشخص في وضعية إعاقة ”، تخول له بعض الامتيازات .. إذ لم تَعْدُ المسألة في حقيقة الأمر أن تكون سوى خدعة – حسب ”إنسان معاق /أيقونة التحدي” ـ لقيام المعاق بإحصاء نفسه بنفس .. والحالة هاته، وبسبب انعدام ثقة هؤلاء الحالمين ”بحقهم في الحق”، فإن أغلبهم قد رغب عن إعداد ”الملف الطبي المشؤوم” ! ..
ويطالعنا رئيس الحكومة السابق، خلال ولايته الأولى، رئيس حكومة نحتفظ له بقرارات جريئة لتجويع وتفقير هذا الشعب المسكين .. ابتداء ” بعفا الله عما سلف”، ومرورا بتخريب منظومة التقاعد، والتنكر لعهود قطعها على نفسه، ومحاضر وقعها تهم الأساتذة المكوَّنين، وانتهاء بمسلسل لا شعبي من القرارات غير المسؤولة، وغير المحسوبة، والمجحفة في حق السواد الأعظم من الشعب المغربي .. من قبيل تحرير أسعار المحروقات .. والتي شهد ”شاهد من أهلها”، بأن هذا التحرير، قد مَكَّن شركات للمحروقات من كسب أرباح لا أخلاقية، تجاوزت 17 مليار درهم..
رئيس الحكومة هذا، الذي يتذكره غالبية الشعب المغربي بالدعاء في كل حين ـــ على غرار الرسالة التي قدم فيها فروض الطاعة والخنوع والولاء لوزير الداخلية الأسبق، المرحوم إدريس البصري، وذيلها بعبارته المشهورة ” الخادم المطيع والداعي لكم بالإصلاح والتوفيق في كل حين ..”؛
رئيس الحكومة هذا، واعد ”الإنسان المعاق” ـــ كما كان دوما يوزع وعده يمينا وشمالا، كما يوزع ”بطاقات الزيارة artes de visiteC ” ـــ تروي لي أحدى المعنيات بهذا الوعد الكاذب .. بمرارة قائلة:” واعدنا بالحرف الواحد، بوضع صندوق خاص بتقديم إعانات للأشخاص في وضعية إعاقة وستكونون فرحين ونشيطين ومسرورين..”
.. لكن وعد، صاحبنا هذا ـــ الذي ظل طيلة رئاسته للحكومة ”داوي .. خاوي”، في كل مسألة تهم المهمشين والمقصيين والمحكورين.. ـــ ظل مجرد ”صيحة في واد” !..
لقد كنتُ محقا .. وكثيرٌ من المغاربة، أننا لم نثق يوما في الرجل ! ..
وتضيف هذه السيدة، التي تفيض أنوثة، ومحبة، وخيرا، وأملا، وتحديا، وإصرارا على إسماع صوت ”الإنسان المعاق ”ـــ رغم مُعاصرتها لحقبة الوزيرة نزهة الشقروني، ووعودها الكاذبة .. وحتى مواكبتها لحقبة السيدة بسيمة الحقاوي، و وعودها الكاذبة هي الأخرى ـــ تضيف قائلة : ” ركبت القطار ذات مرة متنقلة ومرافقتي، من مدينة فاس إلى الدار البيضاء، لحضور نشاط جمعوي .. وصادف أن ركب بجانبي برلماني أعرفه تمام المعرفة .. وحين مر مراقب القطار يتفقد تذاكر السفر، لم يستحي البرلماني السليم الجسد ـــ وربما يبدو لي فقط كذلك ـــ من أن يخرج في عجرفة وخيلاء ـــ وكأن القطار في ملكه ـــ ”بطاقة 0 درهم”..
وهنا ترجع بي الذاكرة إلى العجعجة بدون طحين، التي حركها نواب ” حزب الأكثر أقلية ” ـــ الذي تنتمين إليه، معاليكم، حينها كنتِ برلمانية..
أتذكرين يوم طالبتم كتابة من رئاسة البرلمان، بمراجعة معاشات البرلمانيين ..؟ أتذكرين كيف ـــ وبدهاء ومكر غير مسبوقين ـــ قاطعتم لاحقا جلسة التصويت، على مقترحكم، كي لا يتم إسقاط هذه المعاشات، الذي تأكلونها ـــ إلى جانب ما يَلْتَهِمُه الوزراء من معاشات ظلما وعدوانا ..؟
أ َ ما تستحيون ..؟ فعلا، صدق من قال: ” إذا لم تستحيِ، فافعل ماشئت ! ”
لندع كل هذا .. ولأسائلك، السيدة الوزيرة المحترمة، عن ”مرزوق ” الشاب المعاق الذي توفى مؤخرا متأثرا بجروحه، بعد أن كلف نفسه شراء ”بنزينكم الغالي”، وسكبه على نفسه، وأضرم النار فيها .. وهو ذات البنزين الذي حرر أسعاره كبيركم.. !
انتقل المسكين إلى جوار ربه، بعد أن دغدغتم مشاعره، بكذب هذه الحكومة والحكومات السابقة المعسول .. مات المسكين ليترك خلفه، طفلة صغيرة، للتو تعلمتْ كيف تنطق كلمة ” بابا”، وزوجة شابة رَمَّلتها وعودكم الكاذية، وأم وأخت، لا معيل لهما .. كانوا جميعا قد ألفوا انتظار عودته، مساء كل رمضان- شَهْما عفيفا – يحمل قفة صغيرة، صغر الدريهمات، التي تعوَّد أن يجنيها من كسب قوته الحلال، ببيع بعض الحلوى، على مقربة من إحدى الملحقات الإدارية بزايو..
رحل المسكين، وهو يُمني النفس برخصة كشك، تحقق له بعض الكرامة..
أما استحضرتِ، معالي الوزيرة المحترمة، حالة هذه ”الأسرة/العائلة”، التي أضحت ـــ بين عشية وضحاها بلا معيل ـــ وأنت تتلذذين بما لذ وطاب على مائدة الإفطار ..؟
ويبقى والحالة هاته، السؤال التالي مطروحا، وبإلحاح بالنسبة لمن يهمهم الأمر، أين نحن من مقتضيات الفصل 34 من الدستور الحالي للمملكة ..؟ والذي ينص على مايلي :
” تقوم السلطات العمومية، بوضع وتفعيل سياسات موجهة إلى الأشخاص والفئات، من ذوي الاحتياجات الخاصة، ولهذا الغرض، تسهر خصوصا على ما يلي:
o معالجة الأوضاع الهشة لفئات من النساء والأمهات، وللأطفال والأشخاص المسنين والوقاية منها.
o إعادة تأهيل الأشخاص الذين يعانون من إعاقة جسدية، أو حسية حركية، أو عقلية، وإدماجهم في الحياة الاجتماعية والمدنية، وتيسير تمتعهم بالحقوق والحريات المعترف بها للجميع ”.
معالي الوزيرة المحترمة؛
كما أشرتُ سالفا، وكما تعلمين سيادتكم، فالإعاقة أنواع، وأشكال .. والحديث عن ”التوحد”، مثلا بمفرده، قد يحتاج منا إلى ساعات وساعات طوال طوال .. لتسليط الأضواء عن معاناة الآباء والأمهات، المادية والنفسية قبل ”التوحديون ” أنفسهم، وسجنهم الاضطراري في عالم عميق ومبهم، من إبداعهم الإرادي أو اللاإرادي.. !
لن أتحدث عن الأقسام المدمجة، التي ترهق الجيب وتُدمي القلب .. أقسام/ زنزنات داخل ”مراكز”، يغيب فيها الإطار المختص، كما غابت فيها الدولة المسؤول الأول والأخير، تكوينا ومراقبة وتتبعا وتقييما..
لن أتحدث على نماذج أوروبية رائدة، تصون كرامة الإنسان، حيث الشخص المصاب بالتوحد، تُوفر له كل شروط العلاج والاندماج في المجتمع، مع توفير الراحة لأبويه: نقل مدرسي خاص، ومدارس خاصة وفق المواصفات العالمية .. وفضاءات خاصة للترفيه والتخييم والرياضة .. إضافة إلى 400 أورو شهريا لولي الأمر .. وكذا المواكبة الاجتماعية والنفسية والصحية لمحيطه ومحيطه العائلي؛
لن نتحدث عن كل هذا .. فقط عندي رجاء، معالي الوزيرة المحترمة، وأنا أدعو لك بالصحة والعافية والسلامة في المال والبدن، أن تخرجي من قوقعة ”الوزيرة ” وأن تَدَعي ”وِشاحك الأنيق الموقع foulard signé” تركبي ليوم واحد كرسيا متحركا، كي تحسي فعلا، بهذا السجن الأبدي الذي يَلْزَمُ مستعمله، وكيف يعاني، حتى من أجل قضاء حاجاته الطبيعية .. شرف الله قدرك وقدر قارئ هذه الرسالة ..!
ولِنفرض، معالي الوزيرة المحترمة، أن عدوى زميلك في التشغيل، قد انتقلتْ إليك، لتتمسكي أنتِ الأخرى ” بالوزيرة “، رافضة أن تكوني ”مواطن ديال الزنقة ” ـــ على حد تعبير فيلسوف التشغيل ـــ فأرجو أن تستعملي، هذا الكرسي المتحرك ولو لساعة يتيمة، خُفْيَةً داخل بيتك المحترم؛
حينها لن تكوني مضطرة لمكاتب دراسات، ولا للقاءات تحسيسية .. إذ أنك ستُحسين مباشرة بالمعاناة الحقيقية، التي يعيشها ”سجين الكرسي المتحرك”، والذي لم يعد يحلم سوى بولوجيات، تسهل عليه أمر جمع وثائق ”ملف طبي كَذِب”  ..!
فما أغدر الثقة في الصحة .. فكم من سليم أقعدته حادثة سير، أو مرض عضال ..!
نسأل الله، في هذا الشهر الأبرك، السلامة والعافية لك، معالي الوزيرة المحترمة، ولنا وللجميع.
معالي الوزيرة المحترمة؛
ورغم كل هذا الحرمان، والجفاء، والإقصاء، والتهميش، خاصة في القرى النائية، والمداشير، والدواوير .. تبقى هذه الشريحة المهضومة الحقوق، التي تصارع في خفاء، لتثبت الذات في غياب تام، لشروط دنيا لعيش كريم، يليق باحتياجاتها .. شريحة قوية بإيمانها بربها، وبثقتها في إمكانياتها .. شريحة أنجبت المهندس، والطبيب، والرياضي، والأستاذ، والمفكر .. وغيرهم كثير مما يساهمون ـــ رغم إقصائهم ـــ في بناء الوطن، حاملين هَمَّ الوطن .. !
.. استودعك الله، معالي الوزيرة المحترمة، في انتظار جزء آخر من هذه الرسالة المفتوحة، وكأني بلسان حال هذه الشريحة المناضلة، يردد أبيات دارجية معبرة، للمبدع الكبير المرحوم أحمد الطيب لعلج 

زَطَمْتُمْ على قلبي بِكَدْمِ صَبَّاطِكُم ***** فكاد مِن الفَقْصَاءِ أنْ يَتَطَرْطَقَ

(Visited 1 times, 1 visits today)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*