أخبارمتفرقات

بناء الإنسان قبل بناء الدولة

555

عبد الرحمان مجدوبي

كل الدول المتحضرة واعية أن الإنسان هو الثروة الحقيقية التي يجب الاستثمار فيها، وتمكينها من كافة الحقوق المادية والمعنوية لتحقيق التحرر من قيود العقل والجسد، تحرير العقل من الخرافة والوثنية والتبعية والتقليد الأعمى والانفتاح المميع والتطرف الفكري، وتحرير الجسد من البهيمية وحب السلطة والنفعية القاتلة والانتهازية والغرق في اللذة، فبناء الإنسان سابق على بناء الدولة، واعتماد منهاج يتخذ من الإنسان غاية بدل اتخاذه وسيلة، وتحقيق التخمة المعرفية بدل تخمة الأكل والشهوة أصبح ضرورة لا خيارا من بين خيارات عدة، فالسماء لا تمطر ذهبا ولا فضة، والعيش لا يثبت على غصن رطيب ضعيف مضطرب، ولا يستقيم بالاستثمار في المطاعم والمواسم والمقاهي والملاهي، والبرامج الجاهزة الممولة من جهات أجنبية، والأفلام المدبلجة التي وصل صيتها لمناطق نائية أناسها في أمس الحاجة لقطرة ماء، لتطليق القلل والركاء، لمعطف أو حذاء، لا لقصص سخيفة عريانة وسهرات مائعة سكرانة، في وقت يعيش المواطن فقرا ذهنيا و وضعا اجتماعيا مزريا، فمن أراد أن يبني حضارة ومجتمعاً على أسس صحيحة عليه أن يبني الإنسان في مختلف مراحله العمرية، يقول ميخائيل نعيمة:” عندما تصبح المكتبة ضرورة كالطاولة والسرير والكرسي والمطبخ، عندئذ يمكن القول بأننا أصبحنا قوما متحضرين” .. وعندما تصبح ميزانية البحث العلمي في حدود اثنان في المائة على الأقل بدل(0،8) في المائة من الناتج الداخلي الخام، يمكن القول أننا عرفنا الطريق ورسمنا الخطة لنتحرر من ويلات الجهل والأمية والخنوع والخضوع والتبعية.

في التجربة الإسلامية تم بناء الإنسان في المرحلة المكية بتحريره من الوثنية والعادات الجاهلية كشرب الخمر و وأد البنات وقطيعة الرحم وتجديد معيار التفاضل بربطه بالتقوى دون تصنيف للناس حسب لونهم أو عرقهم أونوعهم، ليتم بناء الدولة في المرحلة المدنية بالتركيز على بناء المسجد كمؤسسة علمية ونهج أسلوب المؤاخاة كأسلوب اجتماعي واقتصادي وتحرير وثيقة المدينة بطريقة تشاركية كتدبير سياسي، و بنت الصين أكبر صور يمكن أن يحميها من قبائل البدو الشمالية، لكنها سقطت تحت نير الحكم المغولي، لأنها ببساطة لم تلهم حراس الصور حب الوطن وقيم التضحية والقناعة والوفاء، فتركتهم ذريعة لرشوة أسقطت الإمبراطورية، وساهمت الولايات المتحدة في إعادة بناء ألمانيا محاولة القضاء على الفكر النازي بتدجين مواطنيها عبر تعليمهم أساليب تفكير جديدة عن طريق الإعلام كما هو الأمر في فيلم”كل البشر إخوة” .. أما نحن فبالأمس “أعدنا تأهيل مؤسساتنا التعليمية”، واليوم سارت طاولاتها لوحات لتعليم فن النحث وأدب الحائط، وجدرانها ملاذا للتخفيف من العقد النفسية، ومراحيضها أصابها الزكام من ركام الكائنات البشرية.

لقد أصبح لزاما علينا أن نختار من يمثلنا في مجالس الجماعات الترابية، فحالنا لا يعجب مع داء الأمية، إذ سجل آخر إحصاء أجرته وزارة الداخلية حول نسبة الأمية في صفوف المنتخبين 4739 مستشارا لم يلجوا المدارس في حياتهم من بين 30 ألف و663 مستشار على الصعيد الوطني، كذا علينا أن نستثمر في التعليم ونعطي للمنظومة قيمتها وأهميتها في مجال التكوين والمناهج والبرامج والوسائل الديدكتيكية والإطعام والنقل والنظافة والبستنة، وأن لا نحسبها عبئا على ميزانية الدولة، علينا أن نستثمر في مجال الصحة، فالمواطن العليل عبء ثقيل على الأمة ومستقبلها من الناحية السياسية والأخلاقية والإنسانية .. علينا أن نكون واعين بدور جمعيات المجتمع المدني في التأطير والتكوين لا في الترويض والتدجين، والأحزاب السياسية في التأهيل والإشراك وتشجيع قيم المواطنة والمحبة والتضحية ومحاربة الانتهازية والفكر المناسباتي والأنانية والعشائرية، نقول هذا في وقت حصلت فيه شبيبة ميليشيات البوليساريو الانفصالية على مقعدين في الاتحاد العالمي للشباب الاشتراكي، بينما اكتفت شبيبة الاتحاد الاشتراكي بصفة عضو ملاحظ .. فأين من يدعون الوطنية في بلادنا ويصدرون للرأي العام أن سلالتهم تدافع عن القضية الوطنية ..؟ للأسف فهم من بصم المفكر المغربي عبد الله العروي في روايته “أوراق” وكشف سعيهم وراء الولائم والمحافل والسهرات والعربدة، وليرعى الله الوطن من حلكة الأزمات والفتن، إذ يكفينا الدعاء، وزغاريد النساء، وصلاة الاستسقاء، وأن لا نخون العهد حتى يقال عنا أننا أوفياء، ومن وداعتنا نستحق الرثاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق