أخبارالدين و الناس

التسامح وفرص التعايش بين الأديان والثقافات بين الواقع والمأمول – تـــابع –

ما_هو_التسامح

ذ. عباس أعومري
ذة. خولة خمري

هذه المداخلة المشتركة، بين ذ. عباس أعومري و ذة. خولة خمري، كانت خلال فعاليات المؤتمر العلمي التاسع، تحت شعار: النهوض بالبحث العلمي خطوة أساسية في بناء العراق الموحد

تجديد التراث وسبل بعثه من جديد عند ماجد الغرباوي

يولي ماجد الغرباوي موضوع تجديد التراث أهمية كبيرة لما للتّراث من دور كبير في حفظ الهوية العربية الإسلامية خاصة وأنه يمثل الانطلاقة الأولى لأي نهضة .. فماجد الغرباوي يطمح إلى إنشاء إستراتيجية نهضوية نابعة من تراثنا الديني تعترف بأهمية تواجد الآخر ودوره في إثراء الآخر ودوره في إثراء الحضارة الإسلامية النائمة على فكرة التعددية الثقافية، فالتراث منبع وأصل الهوية وبدونه نفقد مقومات وجودنا، فالهوية هي: “مركب من المعايير، الذي يسمح بتعريف موضوع أو شعور داخلي ما، وينطوي الشعور بالهوية على مجموعة من المشاعرالمختلفة، كالشعور بالوحدة، والتكامل، والانتماء، والقيمة، والاستقلال، والشعور بالثقة المبني على أساس من إرادة الوجود”(7).

ولعل هنا يبرز كنموذج كبير لخطاب التعددية الثقافية نموذج العصر الأندلسي، ذاك العصر الذهبي الذي تميز بانتشار كبير لمختلف التيارات الفكرية والدينية، ورغم ذلك سادت قيم التسامح، وكان الحب والتّعايش سيد الموقف، فكان يعيش المسلم جنب اليهودي دون ترهيب أو تقتيل، وهو ما جعل ماجد الغرباوي يدعو وبشدة إلى ضرورة تجديد التراث، قائلا: “ينبغي إعادة النظر في الوعي الذي يكون في إطار بعض النصوص الدينية والمرويات التاريخية”(8). وقد ضرب ماجد الغرباوي في ذلك مثالا بارزا في خطاباتنا التراثية وهو نموذج ما يسمى بالفرقة الناجية .. لذلك، يوصي ماجد الغرباوي بضرورة التأكد من صحتها، حيث يقول بأن هذا الحديث: “لعب دورا كبيرا في تشظي الأمة، والإصرار على احتكار الحقيقة ورفض كل الفرق والمذاهب التي تحتفظ بوجهات نظر اجتهادية مخالفة، حتى بات الجميع إلا ما ندر يعتقد بخطأ المخالف مهما كان نوعه”(9). وهذا ليس من روح الإسلام السمح الذي يحترم باقي الأديان أو مختلف التوجهات الفكرية، ويدعو إلى تعددية ثقافية في كنف الأمة الواحدة.

لقد كان ديدن الإسلام منذ ظهوره قبل أربعة عشر قرنا من الزمن يرغّب أهل الكتاب من غير المسلمين بالإسلام داعيا إلى مكارم الأخلاق ومثمنا إياها، لذلك شاعت حينها خطابات تحث على إفشاء الخير ودحر نوازع الشر وخطابات التكفير البغيضة .. فعن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الناس معادن في الخير والشر خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا))(10).

يقول ابن حجر رحمه الله: قوله: (خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام)، وجه التشبيه أن المعدن لما كان إذا استخرج ظهر ما اختفى منه ولا تتغير صفته؛ فكذلك صفة الشرف لا تتغير في ذاتها، بل من كان شريفاً في الجاهلية فهو بالنسبة إلى أهل الجاهلية رأس؛ فإن أسلم استمر شرفه وكان أشرف ممن أسلم من المشروفين في الجاهلية (11). وفي هذا يقول الإمام النووي رحمه الله: ومعناه أن أصحاب المروءات ومكارم الأخلاق في الجاهلية إذا أسلموا وفقهوا فهم خيار الناس ( 12) .. لكن، عصرنا اليوم انقلبت فيه كل الموازين فخفت الوعي بمدى أهمية التسامح والتّعايش بين الأديان المختلفة، وهذا ما يدعون إلى ضرورة الوعي العميق بضرورة إبراز مثل هذه النماذج الدعوية لإعادة الأمور إلى جادة الصواب وحصر خطابات الغلو والتطرف، فحسب ما ذهب إليه ماجد الغرباوي أنه “من دون الوعي لا يمكن أن تنطلي مؤامرات التزوير على الواقع والتاريخ والدين والحقيقة، ومن دون الوعي لا يمكن النهوض بمشروع حضاري مستقبلي يعتمد مرجعية فكرية وثقافية، مؤسس في ضوء المبادئ الإسلامية .. إذن، فالوعي أساس في نجاح المشروع الإسلامي، وهو من مهام المثقف الرسالي، الذي ينهض بهذا الدور، انطلاقا من مسؤوليته في تكوين عقل الأمة وتجديد هويتها الثقافية”(13) تلك الهوية الثقافية التي تعاني منذ زمن بعيد تيها كبيرا غيب العقل وسلب الإرادة وأفشى نوازع الغلو والتطرف، وهو ما جعلنا نغيب عن الساحة الحضارية بالعالم، فلا دور لنا إلا تلقي الأوامر وتطبيقها بحذافيرها من طرف القوى العالمية، فلا اهتممنا بتراثنا ولا بواقعنا الراهن فبتنا مأسورين مدحورين مقيدين لا حراك لنا، وهو ما يدعونا إلا ضرورة التساؤل عن ما موقع المثقف الواعي من كل هذا ..؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق