أخبارمنبر حر

حين يتحول حماد الراوية إلى Hamada Eroeya مع رسالة الى من يهمهم الامر

بقلم- سعيد ودغيرى حسنى

وأنا أتجول في شوارع الدار البيضاء، مدينة تتقاطع فيها الأصوات كما تتقاطع الحافلات في ساعة الذروة، شدني اسم معلق على زاوية زقاق ضيق يشبه زفير مدينة لم تنم منذ نصف قرن .. وقفت رفعت رأسي  قرأت Hamada Eroeya اسم لا هو فرنسي ولا هو عربي، ولا هو ابن شرعي لأي لغة عرفتها الأرض

جربت نطقه بقلبي ثم بلساني ثم تركته لفضول المارة

سألت امرأة تحمل قفة خضر هزت رأسها وقالت: “أنا غير كنقرا وهاني ما عرفتش شكون يكون”

سألت شابا يدخن في ظل جدار ضحك وقال:  “أرا غير العنوان صافي غادي يطلع ليا الدم”

وهكذا درت حول اللوحة كما يدور المتصوف حول سؤال قديم حتى اكتشفت الحقيقة وا أسفاه المقصود هو حماد الراوية

الرجل الذي حمل الشعر كما يحمل الجمال ماء القبيلة في منتصف الصحراء .. الرجل الذي لو فقد ذاكرته لضاعت المعلقات وتيتمت القصائد وتحول تاريخ العربية إلى رمل بلا أثر .. حماد ذاكرة العرب قبل أن تخترع الأمم أرشيفاتها، حفظ أشعار الجاهلية وروى ما خفي من قصائد الإسلام، وكان إذا جلس في حضرة الخلفاء تكلم الشعر كما يتكلم البعض التنفس .. كان يمشي فتتبعه القصيدة ويجلس فتأتيه الأبيات من وراء الزمن، وكان يعرف من الشعر ما يكفي لفضح المتنبلين بالعبقرية وكشف السارقين الذين يختلسون القافية كما يختلس اللص خاتما في سوق مزدحم

وها هو اليوم في قلب الدار البيضاء يتحول اسمه إلى Hamada Eroeya .. اسم يذكرني بوصفة دواء أو ماركة شامبو أو عنوان بريد عاد من غير مستلم

يالغرابة المشهد .. يالعبث الجميل الذي تصنعه الترجمة حين تسكر .. أن تحاول مدينة تكريم شاعر عظيم فتكتب اسمه هكذا .. فذلك، يشبه أن تصنع تمثالا لمؤرخ كبير ثم تنسى أن تضع الرأس .. لكن، هذه الدار البيضاء مدينة تحب التفاصيل الناقصة والأسماء الناقصة واللوحات التي تحتاج مترجما ومفسرا ومسعفا لغويا أيضا

وأنا أمضي في طريقي كنت أقول بيني وبين نفسي: ربما الضجيج أكل الحروف وربما الخطاط كان مستعجلا وربما أرادوا الخير لكن الطريق إلى الخير مفروش دائما بلوحات مكتوبة كيفما اتفق .. ومع ذلك، يبقى المشهد جميلا بطريقته البيضاء المدهشة .. لوحة تحاول أن تتكلم فتتلعثم ومدينة تحاول أن تكرم تراثها فتخطئ  العنوان وشاعر عظيم عاد إلى الحياة ليجد اسمه يرتدي بذلة ليست له ولا يعرف قياسها أحد

رسالة إلى المسؤولين

يا من تحملون مفاتيح المدينة وتسهرون على أسماء الشوارع كما تسهر الأم على اسم مولودها، رفقاً بتاريخنا .. رفقاً برجالٍ حملوا مجد اللغة فوق أكتافهم .. رفقاً بالذاكرة التي صنعت لنا لساناً وحروفاً ونغماً يمشي بين الناس

نرجوكم أن تكتبوا أسماء أجدادنا كما ينبغي، كما تليق بهم، كما تليق بمدينةٍ أرادت أن تكون بوابة المغرب إلى المستقبل لا بوابة أخطاء لغوية تتنقل بين الأزقة

اجعلوا العربية واضحة للعين مصونة للمعنى، واجعلوا الترجمة الفرنسية جسراً من الاحترام لا حاجزاً من سوء الفهم

فاللوحة ليست حديداً إنها مرآة، وإذا انكسرت المرآة ينكسر الوجه الذي يتأملها

يا سادة القرار نريد شوارع تحفظ الذاكرة لا شوارع تمحوها .. نريد لحماد الراوية أن يبقى حماد الراوية لا Hamada Eroeya ولا أي ظل آخر قد تبتلعه العجلة أو يبتلعه الخطأ

فالتاريخ أمانة والأمانة تبدأ من لوحة وتكبر حتى تصنع هوية مدينة كاملة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق