للمستقلة رأي

خطاب العرش وفضح المسكوت عنه في الخطاب السياسي الحزبي الانتخابي ..!

خطاب العرش

صدق جلالة الملك محمد السادس في خطاب العرش لهذه السنة، حينما تناول ما أصبح عليه المشهد السياسي الحزبي الوطني من تردي وتراجع في السلوك والخطاب إلى الدرجة التي تحول فيها إلى ساحة لتصفية الحسابات الحزبية الضيقة، وفضاء لتغليط الرأي العام الوطني، بما لا يوجد في توجهات الأحزاب وأنماط ممارستها السياسية في المؤسسات وخارجها، وانخراطها في المزايدات الدعائية الرخيصة قبل موعد الانتخابات، وكان جلالة الملك صريحا في خطابه مع الفاعلين الحزبيين، سواء من الأغلبية أو المعارضة في مطالبته لهم بعدم الركوب على الوطن واستغلال اسم جلالته في الصراعات الحزبية والانتخابية، وتوجيه جلالته للمواطنين بتحكيم ضمائرهم في اختيار من سينوب عنهم في المؤسسات، ممن يتوفرون على الخبرة والمصداقية والمعرفة، بدل أولائك الذين ترشحهم الأحزاب وفق معايير النفوذ الاقتصادي والاجتماعي التي لا تسمح بالفرز الانتخابي الصحيح للنخبة القادرة على تحمل مسؤولياتها .. ونظن في المستقلة بريس، أن هذا التوجيه الملكي السامي يؤكد على المصداقية والنزاهة التي ستكون عليها العملية الانتخابية التي ستحتاج فقط إلى احتكام المواطنين إلى ضمائرهم حينما سيذهبون إلى صناديق الاقتراع، بعد تأكدهم من مرشحي الانتخابات الذين سيقومون بواجباتهم في البرلمان .. فهل يرتقي المواطنون إلى الإحساس بالمسؤولية في اختيار النواب، أم سيكونون مرة أخرى عرضة للإفساد من طرف تجار الانتخابات الذين يبحثون عن ما يساعدهم في الدفاع عن مصالحهم ونفوذهم فقط ..؟

ما يجب الوقوف عنده في الخطاب الملكي السامي، هو أن جلالة الملك كان يتحدث نيابة عن المغاربة في المنظور السائد لديهم عن الفضاء الديمقراطي الذي يجب أن تجري فيه الانتخابات البرلمانية، وما يجب على الأطراف المشاركة فيها حتى تمر جميع مراحل هذه الانتخابات في أجواء التنافس الديمقراطي النزيه الذي يتطلع إليه جميع المغاربة، وعلى الأحزاب التقاط الإشارات الإيجابية من هذا الخطاب الملكي، والعمل على تقليص الأخطاء التي ترتكبها باستمرار، والتي تضر بكل المكاسب التي حصل عليها المغاربة عبر كل التجارب الانتخابية المتعاقبة .. ونعتقد في المستقلة بريس، أن تأكيد جلالة الملك على أنه فوق الجميع، وملك لجميع المغاربة، وحكم بين المؤسسات تستدعي من كافة الفاعلين احترام الموقع الدستوري الملكي، والحرص على تجاوز كل السلوكات التي تؤثر في مصداقية التجربة الديمقراطية التي حصل الوطن بمفعولها على الموقع المتقدم من جيرانه في الاتحاد الأوربي، وذلك أضعف الإيمان.

إن ملامح الرؤيا السياسوية الحزبية الضيقة التي وقف عليها الخطاب الملكي توضح خطورة الثقافة الحزبية التي لم تعد توجهها أي مرجعية أخلاقية أو قانونية في ظل هذا التهافت والتراشق والتدافع المصلحي السياسوي، الذي أصبحت عليه الحياة السياسية والحزبية الوطنية، بين هذه الأحزاب المتنافسة والمتصارعة على السلطة والثروة، بدل الصراع أو التنافس بالبرامج والمشاريع على خدمة الوطن والمواطنين، والتي تستخدم أبشع وأفضع وسائل الدعاية ضد خصومها، سواء في الأغلبية أو المعارضة، وفي الوقت الذي لم تخضع فيه الحصيلة المنجزة خلال هذه الولاية التشريعية التي اقتربت نهايتها، وبالخصوص الأغلبية المسؤولة على التدبير الحكومي التي فشلت في ذلك، ويجب أن تتقبل انتقادات المواطنين والمعارضة، وأن تنصرف إلى مراجعة أخطائها وإيجاد ما تبرر به فشلها في الحملة الانتخابية للبرلمان المقبل، كما أن المعارضة معنية بتقديم الحصيلة على أدائها التشريعي والرقابي، وعلى فشلها في المعارك التي قاضتها من أجل المواطنين في ملفات التقاعد والمقاصة وغلاء المعيشة، وتوفير مناصب الشغل، والرفع من مستوى الخدمات الصحية والتعليمية، وتقليص المديونية وتشجيع الاستثمار عوض أن تبرر فشلها بالتدبير الحكومي الذي كان عليها أن تواجهه لفائدة عموم المواطنين المتضررين من نتائجه السلبية.

ماذا بقي للأحزاب في الأغلبية أو المعارضة لتبرئة نفسها والدفاع عن توجهاتها التي تبخرت عبر هذه الصراعات التي لا تخدمها، ولا تساعد على الإطلاق على دعمها في الانتخابات البرلمانية المقبلة التي يجب أن تغير فيها أنماط تواصلها مع المواطنين، سواء في تقديم المرشحين أو في صياغة البرامج الانتخابية، أو في مواجهة خصومها بصفة عامة بعد استحالة الركوب على اسم جلالة الملك أو الوطن في الدفاع عن حظوظها في هذه الانتخابات التي أكد جلالة الملك على أن نزاهتها ونجاحها مرتبط بحسن اختيار المواطنين للمرشحين المتوفرين على الكفاءة وروح المسؤولية الوطنية، والقدرة على الاجتهاد والمراقبة التي تقوم عليها المهمة النيابية.

لن نختم نقاشنا حول مضمون الرسائل الملكية المعلنة في خطاب العرش التي يجب أن تستحضرها النخبة الحزبية، وأن توظفها في التحضير الجيد للاستحقاق البرلماني المقبل الذي لم يعد يقبل المغاربة تدجينه وتلغيمه بالذين لا يملكون الحد الأدنى من الشروط التي يجب توفرها في المشرع الوطني، وإلى حين حدوث التغيير المطلوب في الأداء الحزبي، نتمنى أن تتعض أحزاب الأغلبية والمعارضة بمضمون الخطاب الملكي السامي إذا ما كانت لا تزال تؤمن بما لها وما عليها اتجاه المجتمع المغربي الذي لا أحد بإمكانه وقف طموحاته المشروعة في وجود حياة سياسية وبرلمانية نزيهة ومتطورة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق