التسامح وفرص التعايش بين الأديان والثقافات بين الواقع والمأمول – تــابع

ما_هو_التسامح

ذ. عباس أعومري
ذة. خولة خمري 

هذه المداخلة المشتركة، بين ذ. عباس أعومري و ذة. خولة خمري، كانت خلال فعاليات المؤتمر العلمي التاسع، تحت شعار:

النهوض بالبحث العلمي خطوة أساسية في بناء العراق الموحد

تجديد الخطاب الديني وفرص بعث التّعايش من جديد

لطالما أكد ماجد الغرباوي على ضرورة تجديد الخطاب الديني الإسلامي، فهكذا بوسعنا حسب ما ذكره ماجد الغرباوي أن نقيم نوعًا من الحركية الحضارية نحو تجديد بعث الخطاب الديني من جديد لتشمل النهضة جميع المجالات من فكر واقتصاد وسياسة وغيرها من المجالات، ليكون للفرد المسلم الدور الأبرز في هذا الحراك مستغلا الوسائل الضرورية لتفعيل حركة التاريخ وهندسة دورة الحضارة القائمة على التراث، ومدى تواجد الآخر فيه بما يتلاءم والمعطيات الحضارية الموجودة، بعيدا عن فكرة التكديس التي لم يكن لها وجودا على مستوى الحضارة الإسلامية أيام الأندلس مثلا، باعتبارها نموذج تراثي عالمي شهدت دورا كبيرا للآخر ومدى إسهاماته في قيام الحضارة الإسلامية، والتي ما كانت لتكون لولا فرص التسامح والتعايش التي قدمها الإسلام لهم، حيث كان التمازج الثقافي مع الآخر والعطاء العلمي والفكري في أوج ذروته، وهو ما ذكرته المفكرة والفيلسوفة الألمانية زيغريد هونكه بعرضها لتلك النماذج التراثية العالمية التي قدمت الكثير للحضارة الإنسانية على اختلاف ثقافاتهم وتنوع مللهم ونحلهم.

ولكن بعد حين من الزمن انقلبت البوصلة الحضارية، فلقد تعرض الإسلام والمسلمون في السنوات الأخيرة لحملة ظالمة من الافتراءات والمزاعم التي أرادت أن تلصق بالإسلام تهم التعصب والإرهاب، وترويع الآمنين، ورفض الآخرين، وغير ذلك من دعاوى لا أصل لها في الإسلام ولا سند لها من العلم ولا من الواقع التاريخي .. فالحضارة الإسلامية التي انطلقت من تعاليم الإسلام منذ أربعة عشر قرناً من الزمان قد ضربت أروع الأمثلة في التسامح والتعايش الإيجابي بين الأمم والشعوب من مختلف الحضارات والثقافات والأديان والأجناس، ولا تزال هذه التعاليم الإسلامية حية وقادرة على صقل عقل الأمة وتوجيه سلوكها وتعاملها مع كل البشر في كل زمان ومكان بعيدا عن خطابات الغلو والتطرف المقيتة، وهو ما عبر عنه ماجد بقوله “خطاب الغلو نجح في ترسيخ بديهيات عقيدية، من خلال منهج مراوغ، يعتمد الاستدلالات الساذجة، ويستغل رثاثة الوعي، وانحطاط الثقافة، والبيئة المثيولوجية، فيشاغل وعي المتلقي بمضامين غرائبية خرافية عن الرموز الدينية، يغفلون معها سؤال الحقيقة، أي السؤال عن ذات الرمز وحقيقته قبل الحديث عن خصائصه ومعجزاته وكرامته .. فعندما يشاغل النص الوعي الرث بأحاديث خارقة، مذهله، غرائبية لا يلتفت لسؤال الحقيقة، بل تصبح لديه منظومة بديهيات، ومبادئ عقيدية مسلّمة، تندرج ضمن اللامفكر فيه، والمقدس، الذي يحرم مقاربته، فضلا عن نقده .. هذه البديهيات هي التي تمرر روايات الغلو، لتراكم مزيدا من المعرفة المشوهة، العقيمة”(4) .

فهذا هو الخطاب الديني المقيت الذي يدعو إلى ركود العقل ولأخذ بالنص بكامل حذافيره دون إعمال للعقل أو الاعتناء بما يسمى بفقه الواقع ومتغيراته الثقافية والحضارية، وهنا يتم تغييب الدور الحقيقي للمثقف الحر الواعي وهو ما جعل ماجد يقول: “وباختصار إن الأمة بحاجة أولا إلى وعي رسالي تتجاوز به أزمتها، كي تتمكن من تحدي الممنوع، ولا يتحقق لها ذلك إلا بإعادة تشكل وعيها داخل فضاء معرفي، يستظل بمرجعيات تجدد باستمرار فهمها للنص الديني، في ظل المستجدات الحياتية المتأثرة بالظروف الزمانية والمكانية”(5).

فما إن تم تغييب دور المثقف الخال من تلك القيود المقيتة برزت إثر ذلك خطابات الغلو والتطرف وانعدمت قيم التسامح والتعايش، تلك القيم الإنسانية السامية التي لطالما عمل ديننا الحنيف وسنتنا النبوية الدعوة إليها، انطلاقا من قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾”(6) فإذا ما تم تغييب هذا الشعار، فإن الفوضى والتشتت والحروب والغلو وشتى أصناف التطرف سيكون سيّد الموقف، ولذلك لابد من تجديد الخطاب الديني وبعث سبل التسامح و التعايش فيه من جديد بعد كل هذا السبات العميق الذي ميز خطابنا الديني، وهو ما يجعلنا نبحث في سبل تجديد تراثنا وبشدة
يتبــع

(Visited 1 times, 1 visits today)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*