الدستور الطبيعة ..!

ذ.عبد الرحمان مجدوبي

عبد الرحمان المجدوبيكل شيء يسير بنظام ثابت متوازن محكم، منضبط لقواعد وخاضع لمساطر لا تعرف الخلل في ذاتها، ولا تتأثر بمال أو سلطان أو شهوة مقابل أعبائها، فهي خدومة خنوعة تمد يد العون، لا تحيد عن مسار رسم لها منذ أزل اختلف الناس حول كواليسه، أهو وحي الطبيعة الرفيعة، أم صنع الله ويده البديعة.

الطبيعة مكون يجسد العدل والنظام والدقة والحبكة، ينصف الإنسان ويضمن حق الحيوان والنبات، تتناوب الفصول ويأخذ الليل من النهار والنهار من الليل، كل شيء ينمو ويزيد، ثم يضمحل ويهون لترسم بداية جديدة بطاقة هائلة .. لكن، موضوعيا تتدخل يد الإنسان الذي تحمل أمانة الاستخلاف والبناء والتعمير فتصول وتجول وتقلب هذا النظام لتخدم الاقتصاد، وتهيئ السبل للسياسة، وتبيد الأنظمة المعادية والمشاكسة، وتنشر الفضيلة، حيث شاءت، والرذيلة حيث بغت .. وتبيض هناك ذهبا وفضة وغازا وبترولا، وتفرخ هنا ألما ودمارا وأكاذيب و وعود وتشكيكا في النفس، وتخريبا للبنية الاجتماعية، وهدما للقيم الإنسانية، وتأسيسا لبيوت الدعارة، ونسفا لنظام الأسرة والعائلة، وإحياء للهويات البائدة، وتشجيعا للاهتمام بالموروث الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، وتحكيما لمقاربات بدائية.

في عالم الحيوان من “قانون الطبيعة” أن يأكل القوي الضعيف، ويستأثر القائد بالرياسة، وينفي الأشبال المنافسين ليؤسسوا حضيرتهم ويحدوا حدودهم، والعقارب تأكل نسلها إن جاعت، والعناكب أزواجها بعد عملية التلقيح، وتقتل الجواميس نسل أعدائها انتقاما، ولا يمكن تعطيل هجرة القطيع بسبب مرض فرد أو إصابته جراء عراك، والمماليك لا تحتاج أسوارا للفصل بينها، بل تكفي رشة بول تحدد الحرمات وترد الويلات والآفات، وتبنى أسرة الضباع على قواعد الأميسية، بينما تبني الأسود مملكتها على قواعد الأبيسية، وتنظم الغربان محاكم للفصل في المنازعات بينها، بينما تحكم الغدر والدسيسة في معاملة الآخر المخالف.

ابتلى الإنسان بهذه البلايا التي هي في صلبها تخص كائنات غير مسؤولة، إذ العقل مناط التكليف والمنحة التي يبنى عليها ربط المسؤولية بالمحاسبة، وعدَّها قوانين عادلة فأسس عليها الضربات الاستباقية، وبرر بها قتل النسل وإهلاك الحرث وهتك العرض، وفرض الوصاية والحماية، وتجفيف منابع المعارضة، وتدجين العامة وترويضها وتشجيعها على قلب الطاولة على حكامها، وتشكيك الناشئة في قدواتها، والعامة في أعرافها وقوانينها وشرعها، ونسي الإنسان أنه المستخلف وأن الحكمة والتريث والإيثار والفضيلة والسلم والتعايش والطاعة .. أيضا قوانين تسود الطبيعة وبها تنمو وتزيد، فهي الفسيفساء التي تخلق التفاعل بين المكونات والوشيجة التي تقضي على المفارقات.
هل قوانين الطبيعة إذا ثابتة، ويمكن اعتبارها مساطر يستفيد منها الإنسان باعتباره جزءا من الطبيعة نفسها، أم أن الأمر ليس كذلك، ويحتاج لنوع من التفكير والتمييز ..؟

إنه مهما اختلف الناس وتعددت وجهات النظر لا يمكن إخفاء حقيقة ثابتة وموضوعية حسب وجهات نظر من يتقاسم معنا الهوية والثقافة ومفادها أن الله سبحانه هو المتصرف في الكون المهيمن المسيطر، وما سماه البعض قوانين الطبيعة التي تجعل منها دستورا متكاملا، لاحظنا عدم عفويته في حال ممالك الحيوان، والتي يرغب الماديون في الشرب من كأسها، نعم نعطي أمثلة بالرغبات الجنسية عند الإنسان إذ يعتبر كبتها مناقضا لقانون الطبيعة التي لا ترى مشكلا في تصريفها دون ضوابط ولا قوانين، كما يعتبر تصريفها دون الخضوع لقانون منظم أيضا كارثة يخجل البعض من التصريح بالنتائج، ويختفي وراء عناوين فضفاضة كالحرية والحق في اتخاذ القرار، بينما يتدخل القانون الإلهي ليصرف هذه الرغبة بشكل يحترم إنسانية المرأة والرجل فيؤجلها إلى حين بلوغ الطرفين وقدرتهما على اتخاذ القرار وتحمل المسؤولة ماديا ومعنويا، فلا يكون هناك كبت ولا تصريف مائع، وفي مثال آخر نجد المحرك الأساسي للنشاط الفعال هو الحاجة، والفعل إذا لم يرتبط بطريقة مباشرة أو غير مباشرة بحاجة ما، فهو بمثابة شيء ضد الطبيعة .. لكن، في ثقافتنا لكي يكون الإنسان إنسانا يجب أن يؤقلم حاجته مع هويته وتقاليده وأعرافه لتصبح الحاجة متحكما فيها تحكما يحقق فضائل ومحاسن، وإن كانت غير عاجلة، وينقد من مطبات آجلة تترتب عليها ظواهر اجتماعية وآفات قاتلة.

حتى إذن وإن كانت قوانين الطبيعة في عالم الحيوان والإنسان تبدو عليها الشدة أحيانا في اعتقادنا، وحتى إذن حسب رأي ماكس بلانك إن كان لا يستطيع أحد أن يحل اللغز الجوهري للطبيعة بسبب أننا نحن جزء من الطبيعة .. وبالتالي، جزء من اللغز الذي نحاول أن نحله، فما هي حسب نظر أقليدس إلا “أفكار الله الرياضية” التي تحقق العدالة في صلبها، وتضمن استمرارية الحياة حتى في أبشع صورها.

(Visited 1 times, 1 visits today)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*