
تحولات اجتماعية وديموغرافية مقلقة في إقليم اليوسفية ومع ذلك لم يتحدث عنها أحد

ذ. يوسف الإدريـــــسي
أشار التقرير الإحصائي الأخير إلى أن إقليم اليوسفية يعيش تحولات ديموغرافية عميقة تجري في صمت، وهو تحديدا ما لم يتم التطرق إليه في النقاش العمومي المحلي، بصيغة تفكيكية وتحليلية، بالرغم من أنه يحمل في طياته مؤشرات مقلقة حول مستقبل الإقليم اجتماعيا واقتصاديا
فخلف أرقام ومعطيات التقرير، تتشكل ملامح واقع جديد يختلف كثيرا عن الصورة التي ترسخت لعقود في العقل السيكولوجي والثقافي لليوسفيين. من خلال تحولات ديمغرافية واجتماعية تتمثل في دخول الإقليم مرحلة النمو السكاني السالب، بعدما تراجع عدد السكان من 252 ألف نسمة إلى 246 ألف، بمعدل نمو سنوي ناقص بلغ 0.23 %
لا شك أن هذا الانكماش يكشف عن نزيف بشري حقيقي، تقوده هجرة الشباب، وهو أمر طبيعي، نحو أقاليم ومراكز أكثر جاذبية، بحثا عن فرص الشغل والاستقرار التي لم يجدها في إقليمه. ومع كل شاب يغادر، يفقد الإقليم جزءا من طاقته الحيوية ومن قدرته على تجديد نسيجه الاقتصادي والاجتماعي
في موازاة ذلك، يزحف شبح الشيخوخة بوتيرة متسارعة. فقد ارتفعت نسبة الأشخاص الذين تفوق أعمارهم 60 سنة من 8.9 % سنة 2014 إلى 13.4 % سنة 2024، بينما تراجعت نسبة الأطفال دون 15 سنة إلى 56.2 % بعدما كانت 59.1 % في تقرير 2014
هذا التحول في بنية الهرم السكاني لا شك أنه ينذر بضغط متزايد على المنظومة الصحية والاجتماعية، ويطرح تساؤلات جدية حول مدى استعداد الإقليم لمواجهة كلفة الشيخوخة، في ظل محدودية الخدمات وضعف البنيات الداعمة للفئات الهشة
ومن مظاهر هذا التحول أيضا التغير الواضح في بنية الأسرة. فقد تقلص متوسط حجم الأسرة إلى 4.5 أفراد بعدما كان يتجاوز خمسة أفراد قبل عقد من الزمن ( 5,6 سنة 2014)، بالتوازي مع تراجع ملحوظ في معدلات الخصوبة، التي انتقلت من ثلاثة أطفال لكل امرأة سنة 2014 إلى 2.39 فقط في تقرير 2024
ويكتسي هذا التراجع دلالة خاصة في الوسط القروي، حيث انخفض المعدل من 3.6 إلى 2.88 طفل، ما يعكس تحولات عميقة في أنماط العيش وفي الشروط الاقتصادية والاجتماعية التي باتت تجعل تربية الأبناء عبئا ثقيلا على الأسر، حتى في المجال القروي الذي لم تكن له يوما هذه الثقافة
كما كشفت الأرقام والمعطيات الإحصائية عن واقع اجتماعي جديد يتجلى في تأخر سن الزواج وارتفاع نسب العزوبة، خاصة في صفوف الرجال، حيث بلغت 39.4 %. ويصل متوسط سن الزواج في الوسط الحضري إلى 33 سنة، في ارتباط مباشر مع هشاشة سوق الشغل وارتفاع كلفة العيش وصعوبة الولوج إلى السكن. هذا التأخر لا يؤثر فقط في الاستقرار الاجتماعي، بل يساهم بدوره في تعميق تراجع الخصوبة واستمرار الانكماش الديموغرافي
مجمل هذه المؤشرات ترسم صورة لإقليم يقف عند مفترق طرق. فالتقرير الإحصائي الرسمي الأخير أطلق دون شك إشارات إنذار واضحة حول اختلال التوازنات الاجتماعية والديموغرافية
ما يمكن أن نستخلص معه أن مستقبل إقليم اليوسفية بات رهينا ببلورة رؤية تنموية جديدة، قادرة على خلق جاذبية اقتصادية حقيقية، ووقف نزيف الهجرة الشبابية، والاستعداد الجدي لواقع الشيخوخة المتسارع، قبل أن تتحول هذه التحولات الصامتة إلى أزمة بنيوية يصعب تداركها لاحقا




