أخبارمجتمع

خادمات البيوت بين الاستعباد الحديث وسوق السماسرة .. من يحمي القاصرات ..؟




صزرة معبرة

صورة معبرة

لقد فرض التوازن الاجتماعي والاقتصادي في أي مجتمع منذ الأزل وجود فئات وطبقات مختلفة، تتدرج بين العلم والجهل، الخير والشر، الغنى والفقر. وهذه المتناقضة الأخيرة (الغنى والفقر) تفرز داخل المجتمع فئتين .. فئة تملك المال، وأخرى تملك السواعد القوية لأداء العمل، أي فئة مالكة، وأخرى أجيرة لدى الأولى، وهي التي يطلق عليها المصطلح الشائع “خادمات البيوت”

إذا بحثنا في الأسباب الداعية لوجود هؤلاء الخادمات في البيوت، نجد أنها كثيرة ومتعددة بتعدد الظروف، غير أنها تختلف بين الخادمة والأسرة المشغلة .. فبالنسبة للخادمات، لكل واحدة ظروفها الخاصة التي تدفعها للعمل في البيوت .. فغالبيتهن يأتين من البادية في إطار الهجرة القروية، هربا من الظروف المادية القاسية، كالفقر المدقع الذي تعيشه عائلاتهن، وعجز رب الأسرة عن إعالة أفرادها، حيث يهتدي -تحت طائلة الإغراء- إلى دفع بناته أو إحداهن إلى سوق العمل في المدينة، المكان الذي تنشط فيه تحركات الوسطاء أو “سماسرة البشر” الذين لا يترددون في بيع وشراء هذه الأجناس، وعقد الصفقات على حساب القاصرات اللائي لا حول لهن ولا قوة .. اللائي تدفعهن إمكانياتهن المتواضعة إلى مغادرة العالم القروي، وطأطأة الرأس رضا بالشيء القليل مقابل المجهود الجبار الذي تبذلنه كخادمات داخل البيوت

أما بالنسبة للأسر المشغلة، فظروفها تختلف أيضا .. فهناك نساء موظفات بحاجة إلى من يقوم بأشغال البيت في غيابهن، وأخريات لا تسمح لهن حالتهن الصحية بالقيام بأعباء البيت لوحدهن، فيلجأن إلى الخادمة للمساعدة .. ثم هناك من تتخذ الخادمة للتباهي أمام صديقاتها، ليقال: “إن فلانة عندها خادمة، إذن هي ميسورة الحال ..”

وإذا كان الشيء بالشيء يذكر، فلا بد من التطرق إلى كيفية الحصول على الخادمة .. بعد استفسارات وجمع آراء، اتضح أن سوق “الخادمات” تعصف بها فوضى عارمة وتسيب كبير، وسلبياته تفوق إيجابياته بكثير .. أبطال هذه السوق هم السماسرة الذين يتوسطون بين ولي الخادمة الباحثة عن عمل والعائلة المحتاجة لها، ليتم الاتفاق مباشرة مع السمسار على ظروف العمل والثمن، وكثير من الأولياء لا يلوون بتعب بناتهم إلا على الفتات

مع العلم، أن كل خادمة تؤدي مهمتها الشاقة دون أي ضمانات اجتماعية أو تغطية صحية، في ظروف معيشية قاسية وغير إنسانية ومهينة، ويتجلى ذلك في معاناتها الكبيرة، منها .. الأجر الزهيد -إن لم يكن منعدما في كثير من الأحيان- .. ثقل الأعباء التي لا تتناسب مع سن الخادمة .. النظرة الدونية من قريناتها كأنها كائن ناقص، والوضعية المتدهورة داخل بيت المشغلة (نومها، هندامها، أكلها؛ كأن تأكل في بهو الدار، أو تنام مفردة في المطبخ أو غرفة التصبين)، فضلا عن إعارتها لبعض الأقارب والجيران في المناسبات دون ثمن، كأنها بيدق ينقل متى شيئ .. ناهيك عن الإهانة المستمرة

رغم كل ما سبق، وحتى لا نعمم، فليست كل العائلات تسيء إلى خادماتها، وليست كل الخادمات عرضة لما ذكرناه .. فبعض ربات البيوت يعاملن الخادمة كفرد من العائلة، يتعاطفن معها كما مع أبنائهن ويرعينها رعاية فائقة، كما أن ليست كل الخادمات ذوات سيرة حسنة؛ فبعضهن تتحين غياب المشغلة للعبث بأغراضها أو سرقتها، أو تسيء إلى الأطفال في عهدتها، مما يؤثر سلبا في تربيتهم، أو تضع المنوم في حليب الصغار لتجنب صراخهم، مما يضر بصحتهم، وغير ذلك من الأمثلة الكثيرة

لتفادي هذا الاصطدام والتلاعبات من الطرفين، ووضع حد لما يعيق التعامل بين الخادمات اللواتي يحتجن مصدر عيش والعائلات الراغبة في الاستعانة بهن، يجب دراسة وضعية من -هن في حاجة إلى العمل المشار إليه أعلاه- اجتماعيا ونفسيا، وتعزيز الإطار القانوني لعلاقة العمل في البيوت، ليكون درعا للعدالة وكرامة الأطفال خدام هذه البيوت، ويوقف السماسرة الذين لا يهمهم إلا مكاسبهم، غير مبالين بحقوق اللـه في الخادمات

نختم بما جاء في الحديث الشريف الذي ينطبق على عمال البيوت: “خُولُكُمْ -بفتح الواو، أي الذين يطوفون بينكم وبين أهليكم- أطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ، وَأَلْبِسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ”، حتى يشعر الخادم بأنه من أهل البيت، ولا يعامل معاملة كريهة، فيتعامل معهم بالخير والحب، ويشعر بمسؤوليته تجاه ما يتولاه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق