أخبارمتفرقات

صراع النخب العامية والعالمة

ذ.عبد الرحمان مجدوبي

عبد الرحمان المجدوبي

إن المشهد اليوم في أغلب “دواويرنا” التي لازالت تحتكم إلى ما يسمى في العرف ب “الجماعة” ليحتاج إلى هزة توقظ الكثيرين من غفوتهم وتخرجهم من صراعاتهم الضيقة وخنادقهم المكهربة للتمكن من النظر البعيد في مستقبل أمة تعاني اليوم من معضلات أساسية تتمثل في :

* التخلف بشتى مظاهره.

* الانقسام والتشظي.

* الاستبداد.

1-تخلف ينهش حرمة الدوار ويستشري فيه، وباستقراء بسيط يظهر أن منبعه هو انشغال جل أعضاء الجماعات بمشاكل وهموم الفلاحة والري وعدم انخراطهم في حركة التمدرس على عهد الاستعمار، ظنا منهم أن التعلم على يد الفرنسيين يعتبر خيانة للوطن والدين، وانشغالهم بأساليب التعليم العتيق لا ينتج منهم سوى “فقهاء” يتوسلون نظام “الشرط”، مما جعلهم غير قادرين اليوم على الاحتكام إلى نظريات ومقاربات معقولة مقبولة في التسيير والتدبير.

2-انقسام وتشظي راجع في الأصل لتأثير العامل الأول، إذ يتم الاحتكام إلى لغة “الفخدة” و”العظم” والأصل، والانتماء، مما يجعل المصالح تتضارب والرغبة في القيادة تستشري في الجسد كالسم القاتل، ويصبح منطق الولاء مرتبط بالانتماءات لا بالبرنامج المسطر الذي سيعمل عليه الشيخ أو المستشار الجماعي أو الفاعل الجمعوي.

إن تشكيل الأغلبيات في جل الجماعات ينبني على آصرة الدم ) الولاء للعشيرة ( أو المصاهرة، مما يغيب منطق النفع العام ويشجع على انتشار الفرقة وسياسة “فرق تسد” بدل التلاحم والتآلف، ويجعل الترقي طموحا خاصا لا ه م ا يحمله كل فرد في قلبه.

3-استبداد هو في الأصل وليد التحكم الذي يفرز نخبة عامية تستخدم لغة الإقصاء والتهميش ضد كل من رفض السير في الموكب وإعادة فرز نفس النخبة.
الزمن يتبدل ولا حال يستقر على ما هو عليه، إذ في هذه “الدواوير” ظهرت فئة مثقفة (نخبة عالمة) تشبعت بقيم العمل التطوعي والتضامني وذاقت حلاوة التخطيط للمستقبل وجربت كواليس العمل والإدارة والمجالس واقتنعت بأهمية العمل المؤطر بقانون يحميه ويحاسبه في إطار ربط المسؤولية بالمحاسبة، فأسست الكثير من الجمعيات والتعاونيات والمكاتب المسيرة والرابطات، وخضع أعضاؤها للتكوين ومارسوا على أرض الميدان، فمنهم من نال ما طمح إليه ومنهم من لازال يحاول رغم تحصيله الضعيف بسبب الاصطدام بأساطين ” الجماعة” التي عكفت على رضع ثدي البقرة الحلوب لعقود فكانت الحرب الضروس بين النخب واستقراؤنا هدانا لثلاث نماذج كالآتي:

* نخبة حفظت لنوابها صلاحياتهم في إطار دبلوماسية عدم الإقصاء، ومكنت نفسها من صلاحيات منحتها الساكنة إياها بتصويت أو بعصيان أو بقوة القانون، مما جعلنا اليوم نسمع بصيتها وإنجازاتها على الصعيد المحلي والإقليمي والجهوي.

*نخبة لم تستطع لحد الآن التخلص من منطق “الجماعة” وتحكمها، رغم ما تملكه من إمكانيات ومؤهلات، وغالب الظن أن السبب هو انتفاع المكونين من البنية التقليدية، أو عجز النخبة العالمة عن إيجاد حلول في ظل تكالب المعارضات الداخلية والخارجية عليها، واستنزاف طاقتها والرمي بها في مستنقع المساطر القانونية المعقدة، مما يفقدها الصبر والقدرة فتنسحب تاركة النخبة العامية تعيد إنتاج نفسها.

لكن الغريب في الأمر أن ما أسميناه نخبة عامية في الحالات السابقة قد تتحول إلى نخبة عالمة استفادت من فكر شيوخها وعلمائها في الزوايا فكانت السلاسة في الانتقال الديمقراطي في التسيير والتدبير إيمانا منها بضرورة حفظ المكاسب وشرف “الدوار” أو “القبيلة “وسعيا وراء ضمان احترام المخزن لهياكلها في إطار النفع المتبادل.

يبقى السؤال قائما إذن هل من مصلحتنا بقاء “العرف” مسطرة قائمة الذات في تسيير شؤون دواويرنا ..؟ أم أن السلم الاجتماعي يبقى مطمحا ومكسبا ولو غُيب الأمن الاقتصادي والكرامة الإنسانية التي يمكن أن تتحقق بالترافع إلى قوانين تتناسب وما يعرفه العالم اليوم من تحولات ..؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق