أخبارمنبر حر

من ذكريات طالب مغربي .. من ضيق المحنة إلى سعة المنحة -الجزء الثاني-

عبد اللـه عزوزي

ذ. عبد اللـه عزوزي

أود أن أستهل معكم — خاصة الطلبة القدامى و حديثي التخرج– هذا الجزء بالإشارة إلى ذكرى ظلت عالقة بذهني إلى اليوم: عند نهاية السنة الثالثة من النظام الجامعي المعتمد حينها، عمد رئيس شعبة اللغة الانجليزية الدكتور “ن.ل” إلى تعليق إعلان على إحدى نافذات الشعبة يتضمن، برغبة منه، أسماء خمسة طلبة الذين سيؤطر بحوث تخرجهم الجامعية .. كان اسمي واحدا من الخمسة .. تزامن هذا الحدث مع حدث آخر أكثر أهمية بالنسبة لأستاذنا المؤطر، أتذكر بالضبط أنه خلال الامتحان الشفوي لتلك السنة كنت أول طالب نادى عليه لاجتياز الاختبار داخل مكتبه بمقر الشعبة بالكلية .. كانت طريقته متفردة و متميزة، لدرجة يجعل فيها الطالب لا يحس بأي ضغط أو اضطراب، إذ كان يسألني بينما هو واقف منهمك في ترتيب فضاء المكتب .. أتذكر جيدا كيف ولج أحد الأساتذة المكتب و بادر صاحبه بالقول “مبروك عليك السي نجيب” ..! بقيت أتساءل حينها ما دواعي و سياقات تلك التبريكات، ( congratulations) فعلمت فيما بعد أن رئيس شعبتنا ترقى إلى منصب “نائب عميد كلية فاس سايس” بعد ثلاثة سنوات فقط عن افتاحها .. مرد هذه الترقية-أو على الأقل في الجزء الظاهر لنا منها كطلبة، هو النشاط و الجدية و الانضباط الذي تميزت به شعبتنا، بحيث كنا آخر من يغادر الكلية من الطلبة عند العطل و مواعد الامتحانات، فضلا عن تنشيط الحياة الجامعية بمبادرات طلابية أسست لميلاد الملتقى الوطني للطلبة الشعراء، الذي أصبح علامة مميزة للكلية يترقبها الحقل الجامعي و الإعلامي بكل شغف ،.!

ولم تمر سوى بضعة أيام عن تاريخ الامتحان في أواخر يونيو 1995 حتى استدعانا (كطلبته المؤطرين من طرفه) رئيس الشعبة بصفته الجديدة إلى مكتبه الجديد بعمادة الكلية: كان المكتب فخما بكراسي مميزة و زرابي مبثوثة، فضلا عن سكرتيرة خاصة .. أتذكر أن أهم ما قاله لنا في اجتماعه الأول هذا، هو أنه باعتبارنا أو فوج سيتخرج في السنة الموالية (1996) من هذه الكلية، فإن الجامعة ستخصص منحا للطلبة الأوائل لمواصلة دراستهم العليا بالجامعات الأمريكية .. !

إذا كان ما قرأتم في هذا الجزء هو الشق الجميل فيه، دعوني أرحل و إياكم إلى حيث أنهيت الجزء الأول قبل أيام، لنرى ماذا حدث معي عندما تقدمت بطلب التسجيل في مسلك ماستر الترجمة المتعددة الألسن (Ar.Ang.Fr) .. بداية تم انتقاؤنا 400 طالب لاجتياز الشق الكتابي، كان ذلك في منتصف أكتوبر من سنة 2011–سنة الربيع و الإصلاحات الدستورية– اجتزنا الامتحان بمكتبة الكلية، لم ألق بالا حينها لأتأكد عما إذا كانت هناك حراسة أم لا .. كل ما هناك أن الطلبة كانوا يجتازون الامتحان بشكل جماعي و تعاوني مستعملين كل أنواع المعاجم. بالنسبة لي -وأنا من جيل 92–96 التقليداني المحافظ، 😊– انكببت على ترجمة المواضيع المقترحة دون تسويد و دون اعتماد أي مراجع .. أنهيت المهمة و عدت إلى حي فدان المير بمرنيسة ..!

كان فصل الخريف قد شرع يؤثث المكان، معطيا الفرصة لبعض زخات المطر لإخماد غبار الصيف المخضرم بالشر و الخير .. كان الجو هكذا إلى أن تم الإعلان عن النتائج الكتابية .. وجدت نفسي من بين 100 طالب ناجح في الكتابي و مطالبين بالتقدم للشطر الشفوي .. كان دوري مبرمجا يوم السبت 07 نونبر على الساعة 10:00 صباحا، و حيث أنه كان عندي مولود لم تمر على ولادته سوى بضعة أسابيع لم أفكر أن أسافر إلى فاس بيوم أو ليلة قبل تاريخ الامتحان، و إنما كل ما فعلت هو أنني استأجرت “طاكسي” الذي أوصلني إلى الكلية في يوم جد ممطر، و ثلاثة أيام عن عيد الأضحى لتلك السنة ( 1432)، و من فضل الله و منه أنني وصلت للكلية قبل الموعد بوقت كافي ..!

لو لم أكن أخشى الإطالة لكتبت المقابلة في شكل حوار كما جرت تماما. و لكن سأكتفي بتلخيصها.
اللجنة كانت تتكون من أربعة أساتذة/ دكاترة، أحدهم كان قد درسني لسنتين متواليتين، كان يعرفني جيدا، و سبق لي أن زرته، وأنا أشتغل أستاذا، في أكثر من مناسبة .. أستاذي هذا لما ألقى نظرة على بحث إجازتي (1996) علق بالقول (دون أن أدري هل مازحا أم متهكما): “واش مزال باغي تقرى ألسي عزوزي ..؟ واش مشبعتيش قرايا ..؟”.

قدمت نفسي وفق ظروفي الدقيقة حينها و قلت “بأنني رجل تعليم أشتغل ببلدة طهر السوق، التابعة لإقليم تاونات ..” حينها قاطعني أحد أساتذة اللجنة، معلقا ” أنت تشتغل بعيدا عن فاس، هل نسيت أنك ضمنت طلب تسجيلك التزاما تلتزم فيه بحضور جميع دروس و ندوات المسلك ..؟”

أجبت اللجنة بأنني سأبذل كل ما في وسعي للحضور و المساهمة في هذا المسلك الذي اخترته عن قناعة، مضيفا أن وسائل الاتصال اليوم تخدم البحث و الإشراف العلمي بما يحقق حقوق و واجبات الباحث و المؤطر .. بالإضافة إلى هذه الدردشة، أتذكر جيدا أن الجانب العلمي من المقابلة تضمن سؤالين فقط، أجبت عنهما بكل دقة: ترجم إلى الانجليزية كلمة “استفتاء” و كلمة “ترجمة” إلى الفرنسية.

أنهيت المقابلة و أنا راض، بل مسرور، عن أدائي .. و عدت راجعا إلى طهر السوق في جو جد ممطر..
مرت بضعة أيام فقط .. ثم أعلنت النتائج على الموقع الالكتروني للكلية .. كان البعض حاضرا، إلا أنا فكنت خارج حسابات اللجنة، و خارج حسابات الترجمة !!
ومنذ تلك النكسة، وتلك الوقفة على أبواب الجامعة المغربية أتسول العلم، و أنا أبحث عن من يعطيني حقي في الآية الكريمة ” اقرأ باسم ربك الذي خلق” .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق