

مراسلة – ميمون بوركبة
في دفترٍ قديم، بلون الغبار، ترك أحد الضباط المستعمرين جملة يتيمة كأنها نجت من معركة:
”هاجمت القبائل المجاورة لتالسينت وبني تجيت قواتنا ببوذنيب بطريقة وحشية، لم نر لها مثيلا، لا أعرف كيف يفهمون الموت” .. لم يكن يعلم، وهو يكتب، أنه لم يفهم الحياة أصلا
مرت الأعوام، واختفى الدفتر في أرشيف بارد، بينما بقيت الأرض دافئة بحكاياتها .. الأرض نفسها، التي كانت يوما تُخيف الجنود، صارت اليوم تُخيف أبناءها .. لا لشيء، إلا لأنها تعدهم كثيرا ولا تعطيهم إلا الانتظار
في ساحة صغيرة، يجلس شباب البلدة .. لا يحملون سلاحا هذه المرة، بل لافتات، وبعض الأمل الذي صار خفيفًا كأنه قابل للكسر .. يعتصمون منذ شهور، في بردٍ لا يرحم، كأن الطبيعة قررت أن تُكمل ما بدأه الإهمال
أحدهم وجد نسخة من تلك المذكرات، قرأ الجملة بصوت عالٍ، ثم ضحك .. قال لصديقه:
- “كانوا لا يفهمون كيف نفهم الموت…”
رد الآخر وهو يفرك يديه من البرد:
- “لو عاد الآن، لما فهم كيف نفهم الحياة أيضا”
ففي زمنٍ مضى، كان الموت واضحا: عدو أمامك، وأرض خلفك
أما اليوم، فالأمر أكثر تعقيدا:
عدو غير مرئي، ووعود تتقدمك، وأرض ما زالت خلفك .. لكنها، لا تُطعمك
تمر سيارة رسمية قرب الساحة، تُبطئ قليلا، كأنها تفكر في التوقف، ثم تسرع .. ربما لأن البرد في الداخل مريح أكثر، أو لأن الوعود لا تُقال إلا في المواسم
يعود الشاب إلى الدفتر، يقلب صفحاته، فلا يجد سوى دهشة الضابط من شجاعة قوم لم يخافوا الموت
يبتسم بسخرية ويهمس:
- “لو كتبتَ فصلًا آخر، لقلتَ إنهم لم يعودوا يخافون الحياة أيضًا”
في الليل، حين تشتد البرودة، يلتف المعتصمون حول نارٍ صغيرة، لا تكفي لتدفئة أجسادهم .. لكنها، تكفي لتذكيرهم بأن شيئا ما ما زال حيا فيهم
أما الدفتر، فيبقى مفتوحًا على تلك الجملة، كأنه ينتظر من يكملها:
ليس كيف يفهمون الموت…
بل كيف صبروا على حياةٍ تُشبهه كثيرا




